Thursday, 30 December 2010

عيّدت


      في الهزيع الأخير من عام آخر ينصرم، و كثير يحذوهم أمل في العام الجديد أن يكون خير من سابقه، أو اضعف الأماني أن لا يكون بالسوء نفسه، و الواقعيون منا يرجون أن لا يكون أسوأ، أما أنا فأتمنى أن يحل علينا الإلهام و نتحرر من بعض العبارات و الصور النمطية المتكررة، عفوا فقد مللت التكرار.
      منذ أن بدأت أسمع و أدرك، فالصورة هي هي ما تغير بها إلا هندام أبطالها، فليلة رأس السنة منذ أن وعيت الصور فهي ذاتها، بعض من المبتسمين بوعي أو بدون وعي يرتدون طرابيش مخروطية ملونة بزهو كالتي يعتمرها الأسطورة جحا، و بعض يصدرون ضجيجا بصفارات مزعجة إلا بتلك الليلة، و آناء منتصف الليل تزدحم كل الشوارع، صدقا لا أدري من أين تأتي كل تلك المركبات، و أحتار من أين يأتي راكبوها، و إن كان كل هؤلاء يجوبون الشوارع من إذا بالحفلات؟ 
      تلك الليلة يطل علينا صاحب الإلهام الخارق المخياط، و صاحبة السر الدفين شوربة سعيدة، يمطرونا بوابل من التنبؤات بثقة فجة، فينبئنا الأول بزلزال يضرب الأردن، زلزال سياسي و ارضي، و إصابة احد رموز السلطة بأنفلونزا البطاطا مما يؤدي إلى تدهور سعر صرف الدينار و ارتفاع نسبة البطالة، أما عالميا فموت احد الرؤساء العرب و استلام ابنه السلطة من بعده، و كأن هذا الأمر يحتاج إلى تنجيم، و الثانية تأتي بالتفصيل، أما برج الثور فيتأثر في الربع الأول من العام بكوكب جوبتور كونه تور، و يستمر التأثير حتى الساعة الرابعة و خمس دقائق من اليوم الرابع من شهر نيسان / ابريل، إذ ينتقل جوبيتور إلى مدار الحمار، أما من الناحية العاطفية فالفرصة قوية جدا لبدء علاقة ابتداء من الحادي عشر من شهر حزيران / يونيو، تنتهي هذه العلاقة إما بالانهيار بسبب الإفلاس أو ذهاب الفتاة ضحية جريمة شرف.
      و على مدار العام، العبارات نفسها، فبعد رأس السنة بأسبوع تقريبا تمطر السماء، فيباغتنا السيد المسئول باستنتاج نابع عن دراسات معمقة و مستفيضة إذ يفيدنا بان هذه الأمطار، أمطار الخير، تبشر بموسم زراعي جيد، و كأن هناك أمطار لا تبشر بموسم زراعي جيدّ!! و تداهم السيول الحارس بُرعي في سرداب عمارة في الصويفية، و تحاصر السيول عقلة و أغنامه في البادية الشمالية الجنوبية من البادية الشرقية، و هناك دائما من يتصل شاكيا عن تجمع المياه بشارع الشماتة لان جاره اللحام أغلق فتحات قناة التصريف بكيس بلاستيكي اسود (كيس زبالة) لمنع الفئران.
      في بداية الصيف يصرح عضو سابق بالبرلمان الهولندي بعبارة مسيئة عن قطر و استضافتها لكأس العالم، فتجتاح الأمة موجة عارمة من حملات المقاطعة للبقر الهولندي، و كل منتجات الألبان و لحوم البقر، و يستفز وزير سابق بالحكومة الإسرائيلية بتصريحاته حول قناة السويس، و يخرج وزير الخارجية الفرنسي عن صمته و يعلن أن قناة السويس مسجلة كعلامة و براءة اختراع لديليسبس، و مهما حلقت طائرات معادية في أجواء دولة شقيقة فإن تلك الدولة تحتفظ بحق الرد بالوقت و الطريقة المناسبة، أما هنا فيبدأ أبو محجوب بصوت زهير النوباني بوصاياه عن كيفية المحافظة على المياه، و تستمر أمانة عمان بزراعة كل ما يحتاج إلى كميات جارفة من المياه يوميا لتجميل جنبات الطرق، و كأن من يطوف الشوارع يمكنه أن ينظر إلى شيء سوى الشارع ليتابع أخبار المطبات و اكتشافها و تفادي رعونة الآخرين.
      أما نهاية العالم، فاذكر و بصورة ضبابية شيء عن (سكاي لاب) و أين سيسقط و مذنب هالي و زحف جليدي و انحسار جليدي، و تشيرنوبل و مفاعل ديمونا، و الآن المايا لم يستطيعوا التنبؤ بغزو الأسبان و لا اندثار حضارتهم، إلا أنهم استطاعوا التنبؤ بنهاية العالم، حتى أن المايا أنفسهم و حسب معتقدهم لا يوجد ما يسمى نهاية العالم إذ أنهم يعتقدون بانتقال العالم من حقبة إلى حقبة أخرى، بضم الهمزة أو فتحها.
      في الختام اكرر أمنيتي بأن يأتي علينا العام الجديد و يحل علينا الإلهام و نتحرر من التكرار بالعبارات و التصورات، و أتمنى لكم جميعا عاما جديدا كليا، و كل عام و انتم بخير.

فارس غرايبة

Sunday, 26 December 2010

سخرية الألم


      اعتاد مسكين على زيارتي بين الفينة و الأخرى، يحدثني عن أحواله، رغم أني لا ارغب بالحديث عن علاقتي به إلا و للتوضيح فقط، فقد دأبت على مساعدته بما أستطيع.
      أحمد لطيم ما عرف أبويه، إذ تربى و أختاه في ملجأ الأيتام حتى بلغ سن مغادرة المكان، فسعى أن ترافقه أختاه في الحياة خارجا، و كان كما أراد، و ذهب و استأجر سكن لهم جميعا كان عبارة عن غرفة متهالكة، عمل جاهدا لتجميع بعض قطع الخشب و الصفيح من الجوار ليسد فتحة كانت اعتبرت باب تلك الغرفة التي بالكاد تصلح للعيش الآدمي.
      كان بالملجأ لا يعبأ بمتطلبات العيش البسيطة، من طعام و بعض لباس، أما الآن فهو يحتاج لإيجار و طعام و وقود للطبخ و التدفئة، حار أحمد الذي ما تأهل يوما لأي عمل، فما كان أمامه إلا العمل كبائع على بسطة متواضعة في أي مكان، و بنفس الوقت كان يحصل على أربعين دينار معونة من الشؤون الاجتماعية، بعد أن تمكن بعد عناء من شراء بعض ما يعرضه على بسطته ليبيعه، صدم بمصيبة جديدة كانت بمقدارها مصيبة المصائب له، رسوم ترخيص البسطة، و البالغة لسخرية الألم أربعون دينار كذلك، فهاهو أحمد ينتظر الشهر التالي ليستلم المعونة التي سيعاود دفعها ترخيصا لبسطة الحياة، و انتظر الشهرين دون أي دخل فالشهر الأول اشترى البضاعة و الشهر التالي ليدفع الرسوم، و يعلم الله كيف عاش هو و أختاه تلك الأشهر، و كان كما خطط فاستلم المعونة و دفع الرسم و افتتح أحمد بسطة الحياة، كله أمل و طموح، كيف لا و هو يحلم منذ شهرين بمشروعه الذي ما وجد سبيلا لغيره.
      بعد مدة تعرض أحمد لمشاكل صحية إذ شخصت حالته بمرض بالقلب، و ما كان أمامه إلا أن تعطل عن بسطته التي كان ليؤمنها يوثق ربطها بجنزير من الحديد و قفل بأحد محال الخضار القريبة كلما أقفل عائدا إلى بيته، و لغيابه بسبب المرض جاء أحدهم ليلا و سرق بسطته التي كانت عبارة عن عربة خشبية تسير على ثلاثة عجلات، و فوق علته المسكين ألمت به مصيبة فقدانه لمصدر رزقه الوحيد، وعاد أحمد إلى ما دون الصفر.
      عاود و بإصرار المستميت، كيف لا فالموت جوعا و الضياع مآله دون ذاك، و وفر من معونته لشهر واحد هذه المرة إذ كانت لديه البضاعة و الترخيص إلا انه لملم شتاته ليؤمن ثمن العربة الجديدة، و بدأ أحمد من جديد.
      مرت سنين و سنين و كبر أحمد، في تلك الأثناء كان قد تعرف علي، و أتاني يوما يعلمني برغبته بالزواج، إذ أن إحدى أختيه كانت قد تزوجت و بقي هو و أخته الصغرى، و أعلمني أن هناك فتاة تحدث مع والديها خاطبا فأجابوه قبولا، فباركت له و هنأته، و تزوج أحمد بعد فترة قصيرة من حديثي معه من تلك الفتاة.
      مضت اشهر حتى عاد لزيارتي، هذه المرة كان أحمد يكاد يطير فرحا، فدخل إلى مكتبي مغتبطا و يبكي فرحا، و بصوت عال و ببساطته المعهودة صاح أحمد: باركلي، فباركت له مستفهما عن الأمر، فأجابني أحمد: الله الله يطول عمره يا ربي. استفسرت: مَن و ما الموضوع يا أحمد؟ فأجاب: الملك ..... الله يا ربي ..... أنا بحبه، أعطاني بيت، بيت فيه أكثر من غرفة حتى فيه حمام داخل البيت، و الله يا ربي يطول عمره. و اخرج أحمد مفتاح البيت من جيبه و أوراق ملكيته، و طلب مني صورة للملك ليعلقها على الحائط بالبيت.
      بعد فترة أتاني مغتما متألما مهموما و شعرت بحسرة في ملامحه، حدثني عن الخطب إذ أن أخته المتزوجة تطلب الطلاق، لأمر استحلفني كتمانه فما أستطيع أن أقول إلا انه أمر لا يطاق اشمأزت له نفسي و اقشعر لوصفه الأحداث بدني، و كأن الفرحة تهرب من أحمد، أو أن بينه و بينها عداوة أو أنهما ضدان لا يتفقا.
      مرت فترة حتى عاود زيارتي، و في هذه المرة فرحة خوف تعتري وجه أحمد، و بصوت خجول كمن اقترف الذنب اللذيذ، و بصوت منخفض أعلمني أن زوجته حامل، و علت وجنتاه حمرة خجلة و ارتسمت على فيه ابتسامة منتصر، كان هذه المرة يحدثني و في أنفاسه نضوج غريب، و فيض من رجولة استمدها من إثباتات حسية ملموسة واقعية لا مجال للشك بعدها فها هي زوجته حامل، يعلم الله كم عانى المسكين الهمز و اللمز لتأخره بإتمام هذه المهمة و كم شكك من حوله بقدرته.
      في آخر زيارة، دخل أحمد علي و هو أب، أناظره و هو يصف طفلته، أحاطته فرحة لم استطع لملمتها، و حارت كلماتي لتصويرها، كلما تحدث عن (منى) قفزت من عينيه دمعة فرحة تراقصت على خديه، يحدثني و يتساءل هل سأراها تتكلم؟ أو تقرأ؟ يا الله لو أني أعيش حتى أراها عروس، أكيد إذا أنا مت فأمها ستكون موجودة لأنها اصغر مني سنا. كان و كأنه يعدد كل ما حرم منه و تمناه لابنته، فما كان احد من أبويه حينما تكلم أول كلماته، و ما قرأ لأحد يوما، و تزوج وحيدا. و طغت فرحته على خبر فقدانه عربته مرة أخرى، إذ انشغل عنها و غاب مرة أخرى ليتابع أمر صحي الم بابنته الرضيعة فقد أصابها التهاب السحايا، لكن هذه المرة كان يتحدث و كأن كل ذاك غير مهم لا العربة المسروقة و لا الالتهاب و لا صورة الأشعة المطلوبة للتأكد من خلع الولادة، كان كل ذاك ليس بذي شأن عند أحمد هذه المرة، و كأنه مخمور أو منتش لفرط الغبطة في قلبه.
      خرج من مكتبي، جلست انظر الطريق و الجسر القريب، أناس أثقلت كواهلهم هموم جمة، بعضها بسيط و غيرها معقد و ثقيل، اختلطت علي المعاني، فمنهم من يعاني قلقا مزمنا و آخر يفرحه ابسط البسيط، هل للترف يد في اضمحلال ما يفرحنا إذ أصبحت الأمور البسيطة التي يكد غيرنا لينالها ليست ذات شأن بحياتنا فما عادت تفرحنا؟ هل الحاجة تولد الفرحة و تبسطها فبذلك تكثر أسبابها؟ 


فارس غرايبة

Saturday, 11 December 2010

رأس المجلس حيث أجلس


      أصر أبوه أن يسميه عوض ( عوظ ) على اسم جده، و امتعضت أمه نفيسة ( ناني ) و حاولت جاهدة أن تقنع أبو عوظ بان الاسم ما عاد من الأسماء الدارجة، و اقترحت أسماء كثيرة إلا أن الأب أصر و ألح، و على ما عزم الأمر نفذ و سجل الوليد باسم عوظ، رغم أن ناني هي ابنة عم أبو عوظ إلا أنها لم يعجبها الاسم أبدا.
      كبـر عوظ و ترعـرع على انفصـام شخصيـة و تنازعـت أفكاره بيـن نانـي و أبي عوظ، إذ كانـا بأفكارهمـا نقيضـان، فأبي عوظ أراد حياة كما ألفها ببيت أبيه و على ما كان عليه طول عمره، أما الأم ناني فما انفكت ترفض كل ما كان، فهي تنزع إلى الانسلاخ ولو شكلا عن ما كانت هي و كل من حولها عليه ببيت أبيها خلف، فحينما تذهب للسوق تحاول جاهدة ألّا يكون زوجها معها لأنه بـيـفـضـحـنـي ( بيفدحني ) وين ما كنت، ففي يوم اشترت ( بوفيه ) للصحون لتضعه بغرفة السفرة، و حينما عادت بما اشترت أصر أبو عوظ أن نفيسة اشترت نملية لتضع بها المواعين، و ناني يثار جنونها و طوال الليل تناقش أبو عوظ أن هذه بوفيه و بها طقم ( تئم ) صحون، إلا أن ذاك ما غير بأبي عوظ أي شيء فبقيت النملية تحتوي المواعين.
      دخل عوظ المدرسة، فاشترطت ناني على أبي عوظ أن يشتري لها سيارة كي لا يضطر عوظ للذهاب بصحبة أبيه إلى المدرسة و يختلط بمن تعرفهم هناك، فما كان من أبي عوظ و لكي ينهي طنين النحل ليلا نهارا برأسه أن يشتري سيارة لناني، و باتت ناني توصل عوظ الذي أفهمته أن اسمه (أود) و ليس عوظ كما اعتاد بالبيت، في احد الأيام اخذ عوظ و من بعيد ينادي يُمّاااااااااا فاحمر و ازرق وجه ناني و أسرعت لعوظ و أسكتته، و سرت بأذنه يا أود هون بتناديني مامي إياك أن تناديني يُمّا أبدا، فما كان من عوظ إلا أن انصاع لطلب أمه التي تحولت من يُمّا الى مامي، و في يوم اجتمع به أهالي الطلاب جاء عوظ و بصوته المرتفع نادى مامي مامي، أبوي ليه ما أجا هاظ اسمه مكتوب عالبطاقة؟ فابتسمت ناني ابتسامة المنحرج و التفتت لتتأكد إن سمع احد ما نطق به عوظ، و بقيت ناني تتقمص شخصيتها المغلفة فكلما سمعت عن ماركة حذاء أو رداء جديد إلا و كانت أول من يشتريه، و هي بسذاجتها تظن أن القشور تغير الجوهر.
      استمرت ناني بأسلوبها أياما و اشهر، حتى انقضى العام و أتى آخر، لكن هذا العام الجديد قدم و في جعبته مفاجأة، و هي أن ابن عم ناني الثاني قد ادخل ابنه نفس المدرسة، مدرسة عوظ، و يا ويلك يا ناني فها قد أتى من يعرف البئر و غطاه، و منذ أن عرفت ناني بذلك ما نامت أبدا فبقي يؤرقها الأمر، ليس أمر ابن عمها بل أمرها هي، التي توهمته و خلقته لنفسها و هي لا تدري أن ما من احد يلتفت لتصنعها و تلونها إلا من كان على شاكلتها منسلخا منفصما يعاني أمراض الوهم و عصفات السخف السرمدي، و في اليوم التالي خرجت ناني على أبي عوظ بفكرة قد تنقذها من إستيهامها، و أفضت لأبي عوظ عن رغبتها بنقل ابنهما من هذه المدرسة، حار أبو عوظ و استهجن فاستفهم لماذا باستغراب!! طالبا أن تعلمه بالسبب، فأجابته عن السبب الصحيح من دخول ابن عمهما تلك المدرسة و ما قد ينتج من فضح أمرها، نظر أبو عوظ مستعجبا ورد، يا نفيسة كل تصرفاتك هذه عرفتها منذ زمن و ما أعجبتني يوما، و سكتّ على مضض علك تفهمين، إلا انك أمعنت و واصلت بتمثيليتك الوضيعة، يا بنت الناس ما عاب أباك يوما نطق لسانه، و ما كانت أمك يوما إلا فاضلة بتصرفاتها لا بلكنتها، اسمعي يا نفيسة عوظ ابني و لن يكون يوما إلا ابني المعروف من هو أبوه و من هم أهله و إن كان هناك ما يعيبنا سيعيبه، و ما يوم عاب الإنسان لكنة أو لون أو شكل، أنت معنا إن أردت أما إن كان أصلك يحرجك فلا اقبل تغيير أصلي و لك الخيار إما أن تبقي أو تنسلخي.   
      كبر عوظ مثقلا برواسب طفولته، فكانت حياته خليط متأرجح بين النانية و العوظية، فبليال تقرأ له أمه (أسه) عن أليس و سندريلا و ليال أخرى يحدثه أبوه عن قصة حديدون و نص انصيص،  و عاش في حيرة إرضاء كل من الفريقين، فكل تصرف يحسب عواقبه تبعا للمذهبين و ليس لصحة التصرف من عدمه، و ما تجاوز يوم بحياته اضطرابات قراراته حتى البسيطة منها.

فارس غرايبة

Sunday, 5 December 2010

الضاد


      يجافي النوم جنبات من خانته فصاحة لسانه في التعبير عن مكنونات خلجات لبه لركاكة في لغته، ليس نقصا في مفردات تزخر بها لغته بل تنصل في الغابر من الأيام و توغل في إتباع الهوى و سعي وراء مظهر امتد على مر الدهر، فكان يتبجح و يتمجح كل من تلعثم بلسان القوي من الأمم، فقبل هذا الزمان سادت لغة الترك فكان يتحدث بها علية القوم فيما بينهم، و في يومنا هذا يتملق الخاصة و العامة سادة هذا الزمان و ينطقون بلغتهم كمن يلسّ مضغة في فيه.
      لا ضير في تعلم ألسن الخلق كافة، لا بل مما حمد و اثني على مبدعه، أما أن يصير نطقك بالعربية تعبيرا و معاملة نقيصة، فهذا كفران لا ممدوح، و منهم من يحاججك بأنها لغة لا تزخر بمفردات كافية للتعبير عن ما آل إليه علم هذا العصر، أقول لا أنت في خسر بل إنها لغة ما يشوبها أي معيب بل ما يعيبها ملسنيها من أبنائنا، فهي تزخر بتعابير عز نظيرها إن كان بالأدب أو الثقافة أو العلم، فمن منكم ينبغ بمعنى كلمة طرب إذ أن المغنى بهذه الأيام مبلغ الإرب؟ و أي من الألسنة نضح ظمأ الشعراء كما العربية؟
      و قبل كل هذا و ذاك، أي لغة مما تفقهون نزل بها ذكر من الله و كتاب محفوظ بأمر رب العزة؟ فإن غرب الزمان و طال، فاندثرت أمم و تبلبلت ألسن البشر، لساني محفوظ ما بقي الزمن و طال أمد الدهر.

فارس غرايبة

Thursday, 25 November 2010

كم كان جميل ذاك الزمان


      و هكذا ينقضي يوم تختزنه الذاكرة، نبتعد عن البراءة يوم، و نقترب من الموت يوم، بالأمس كان هذا الصوت الجميل للموسيقى الذي يصدر عن مركبة، لكن ليست كهذه المركبة التي تبيع اسطوانات الغاز، بل مركبة تبيع المثلجات اللذيذة، بألوانها الزاهية، و بأسعارها التي ندر من يعجز عن إسعاد ولده بشرائها ببضع قروش، أين ذهبت تلك النغمات السعيدة؟ هل خنقتها زحمة الزمان أم لم نعد نراها من وراء الدخان؟
      سئمت الأيام من الزحام، بسيطة تلك الأيام، مليئة بالضحكات و قلة الأرقام، كان الهاتف بالدكان و في بيت أو اثنين، أما اليوم فالطفل يحمل هاتف أو هاتفين، و لزيادة الهم مرتين أصبح يظهر رقم المتصل حتى بعد أن تنام، حتى إن أغلقته يبعث لك رسالة تنبهك باتصال فلان و فلان، مكتظة هذه الأيام.
      كان للشتاء أصوات و أنغام، و ذاك المزراب المعدني الصدئ يعزف أجمل الألحان، نبات الليل ندعو المنان أن نصبح على يوم ابيض لكي لا نذهب إلى المدرسة فبالغد امتحان، كم اشتقت لتلك الألحان التي خنقتها النوافذ الحديثة المعزولة بإحكام، و كأنما غضبت تلك الألحان فما من مستمع أو طربان فما عاد المطر يفرحنا لا بنزوله ولا بأي نغمات أو الحان.
      كم كان جميل ذاك الزمان، كنا نسير في أي مكان بأمان، أما اليوم فأخاف على نفسي و ولدي من أي إنسان، فياليت نعيد النظر بكلمة إنسان فما من أُنس بعد مثلما كان.

فارس غرايبة

Saturday, 13 November 2010

المستدفنون في الأرض


      بقصد أو بدون قصد، بمعرفة و ترتيب أو بجهل و استجهال، أصبحنا دون الدون من بين الشعوب، أصبحت كعربي تستجدي من كل الأمم معونة أو نظرة عطف، حتى لم يبقى بقعة على سطح الأرض إلا و تحتاج تأشيرة لدخولها، و تقف بمهانة في طوابير على أبواب السفارات تستجدي القبول، و كأنك دون الشعوب أو حتى لم تصنف كإنسان، لم يبق مكان إلا و ترانا نسعى للهجرة إليه شرقا و غربا.
      إذا ما تصفحت المواقع الالكترونية، تجد إعلانات باللغة العربية محصورة في ثلاثة مواضيع، أولها إعلانات عن صفحات الدردشة و التعارف البريء و غير البريء، ثانيها إعلانات عن تسهيلات الهجرة إلى كل أصقاع المعمورة، و ثالثها إعلانات الأبراج و ما تخبرك به عن أشكال حظك البائس و عن المصيبة الآتية إليك.
      أما الفضائيات، إن كنت تبحث عن برامج في المحطات العربية، فلا تجد إلا شيئين، و كأنما حكم عليك انك لن تستوعب إلا واحد منهما، فإما أغان و راقصات، كلها مصورة لمغن يغني بالعربية اهزل الشعر و أسقطه بلغة ركيكة، يركب مركبة فارهة لا تجد مثيلتها بمعظم دولنا العربية، أو بجانبه فتاة نادرة الجمال، عبث بها مشرط جراح التجميل أعوام و أعوام حتى هي نفسها نسيت ما كانت عليه صورتها، و كأن حتى أحلامنا انحصرت بالمركبات و الفتيات و للأسف هذا واقع و صحيح. و إما المئات من المحطات تكتظ بالشيوخ بكل لون و فكر، و تستشعر الحرب الضروس بين نوابغ التحليل و التحريم تنفيرا و ترهيبا، و جل نقاشاتهم تنحصر برد على الشيخ الآخر و نفي لما نقلوه عنه في المحطة تلك، و نقاشات عن كيفية رفع الأذان حتى أن الناس ما عادوا يعرفون لم يُرفع الأذان، فما لي و كيفية الأذان أليس الأجدر أن تحبب الناس بالصلاة أولا، كم جميل لو أن احدهم استبدل شعارات النار و دخولها، بالجنة و عدم دخولها، فمن أدرك سيفهم انه إن لم يكن في الجنة فسيكون في النار، لأنهما اثنان لا ثالث لهما، فإن كلمة ليس صادق مقبولة بينما كاذب منفرة و مغضبة.
      أما أخبارنا فتزخر بالمصائب من كل حدب و صوب، فلا تسمع عن أي حروب إلا في بلادنا، و ما تسمع عن تعسف و قهر يقع على غير أبنائنا، فيخرج لك من يحاورك بأننا مستهدفون، و كأن بقي أحد من الغباء ليستهدفنا، فما الداعي فهناك منا من توكل باستهدافنا ليل نهار، و كل مصيبة لا تأتي إلا من الخارج فذاك أصبح ذريعة لكل فشل و تقهقر نجنيه على أنفسنا.
      استحقرتنا كل الأمم، حتى كل ما يُنتج لنا في هذه المنطقة يُصنّع بمواصفات أدنى من أي مواصفة، من المنظفات إلى الكهربائيات و المركبات، حتى بطارية الحاسوب المحمول فهي لا تعمر كالتي تُصنع لهم، و أكاد اجزم أننا في تصنيف المواصفات لسنا حتى بالدرجة الثالثة لا بل دون ذاك بكثير، ناهيك عن التكلفة، فكيف يعقل أن ارزح تحت وطأة هذا الكم من الضرائب و بدخل دون مستوى الإنسانية أن تكلفني سلع الحياة الأساسية أضعاف ما يتكلفها أي شخص يعيش في تلك الدنيا؟  
      أمّا المعرفة، فكأنها من كوكب آخر، تسقط علينا كسفا من السماء، غريبة عنا بكل أشكالها، حتى مناهج تدريس أطفالنا نستوردها، و نبسطها تبسيطا لدرجة أننا نسلخ كل مفيد بها، و المؤسف إننا سلخنا عنها ما يخصنا و استثنينا كل ما يعزز بقايا ثقافة تمسك البعض بها، فما وجدت بكتاب ابني أي ذكر لفلسطين، لا بكتاب اللغة العربية و لا بكتاب الجغرافيا، فاستذكرت جمال كتابي في المدرسة، نعم كان مستهلك لأننا كنا نتوارث الكتب من الصفوف التي سبقتنا، نعم كان بلا غلاف رغم كل ذلك كان جميلا، كنت اقرأ فلسطين داري و درب انتصاري، و بحثت في المنهج المستحدث لا الحديث فما وجدت إلا عن آداب المرور و نظافة الأسنان.
      هل هناك من احد يصحُ معي؟ أم أننا لن نصحوا إلا على أصوات عويل الثكلى و صراخ المقهورين، أننتظر الويلات لينبهنا الألم، ماذا لو لم نصحوا؟ أهو سبات أزلي أم هناك من بوق نفير؟ أم أنها محاولات توأد باكرا فيبات صراخها كالنعيق؟ أم أن أبواق الجهلة ستعتبره مجرد نقيق ضفادع يحيا مع موسم الإخصاب لوهلة سرعان ما يزول؟  

فارس غرايبة

لا تقتلوا الشمس


      أين ضوء الصباح؟ هل قتلتم الشمس؟ أم أنها غضبت إذ أردتم أن تطفئوا نور حقها؟ ماذا إن حقا لم تأت؟ هل تستطيعون حياة صباح بلا دفء نورها؟ أمنكم من أوغل في التكبّر حتى ظن ذلك، لكنه لن يكمل أي صباح، أم منكم من اعتاد ظلمة الليل؟ و اخترق الظلام فؤاده حتى اسودت أيامه و باتت كالليل البهيم لا يرى إلا ما يريد فيسلط عليه ضوء مصباحه، فلا يرى إلا بما يأذن له نور ذاك المصباح الباهت الضعيف.
      ان أردت أن تطفئ نور الشمس لا تقتلها بل عش ليلك لوحدك فانا أحب نور الشمس لأرى الحق و ليدفئ قلبي فأبصر الحقيقة، ظالم نفسه من عاش في ظلمة و ظن أن الظلمة تستر عيوب فكره المريض، أو انه بالظلمة لا يرى سواه فيعيش في ظلمات الأنا و عجرفة الانطواء، حسرتي على كل من حرم نفسه دفء الحقيقة.
      كم هو مؤلم أن تعيش مجتهدا بالخير و العطاء دون إكراه أو منة، و يقابلك اقرب الناس إليك بالنكران و الاستخفاف، هل غشيت عيونكم ظلمة الكبر أم ظننتم أن احترامي لكم من ضعف؟ كلا، لن تذهبوا بي إلى سواد ظلماتكم كلا، كلا لن ابكي ظلمكم بل سأبكي تيه روحكم في ظلمة الحقد الدفين في نفوسكم الضائعة في ضوء المصباح البائس، أمّا أنا فسأبقى احتفي كل صباح بدفء نور الشمس و انظر فأرى كل حق حتى و إن غاب بالليل أبات على يقين أني على موعد مع ذاك الحق كل صباح.

فارس غرايبة

Wednesday, 10 November 2010

مهرجان انتخابي


      عوني و محمود شيخان يعيشان في بلدة حياة متواضعة، ما مر بحياتهما يوم إلا و التقيا به، عوني ضعيف السمع و يعتمد على محمود بإعادة كل ما لم يسمع بصوت عال، و محمود نظره ضعيف و كأن عوني هو عينه التي يرى بها.
      وصلت ذاك اليوم بطاقة دعوة لمحمود لكن نظره لم يسعفه ليعرف محتواها، فما كان منه إلا أن ذهب إلى صديقه عوني ليقرأ له محتوى البطاقة.


      محمود: يا عوني .... عوني.
      عوني: ها يا محمود مالك؟
      محمود: شوف شو هالبطاقة؟ ما عارف اقرأها، اقرالي؟
      عوني: بطاقة دعوة لمهرجان انتخابي يا محمود، بدك اتروح؟
      محمود: يا جهد البلا.... وين انشالله بدها سيارة؟
      عوني: لا هون قريب مشي بتوصل.
      محمود: اذا بتروح معي بروح.
      عوني: طيب بروح مشانك، بس مهرجان شو في يعني بكون؟
      محمود: اول مرة بيمر علي، انا باسمع عن مهرجان جرش، بس انتخابي!! اول مرة بسمع فيه.
      
      و على ذلك عزما الأمر أن يذهبا ليتعرفا على ما هو ذاك الشيء، و في الموعد ذهبا سيرا إلى ذاك المكان، و صدفا بطريقهما جموع من المدعوين ممن عرفوهم و ممن لم يعرفوهم، و ساقتهما الطريق إلى ذاك الصيوان الكبير الذي ترى الأضواء حوله من على أول الطريق، دخل عوني و محمود المكان مندهشين الأول مما سمع و الآخر مما رأى، و جلسا.

      عوني: ا ش ا ش اش .... شي فخيم يا محمود و الله كانه وزير بده يجي.
      محمود: سامع سامع يا عوني، لا مش وزير هذا مرشح للانتخابات، سمعت زيد الهامل بقول انه مشان مرشح الانتخابات.
      عوني: و الله اشي منتاز، مين المرشح؟
      محمود: ما عرفت، بس شكله ناجح لانه برضه زيد قال انه في كنافة.
      عوني: و الله كنافة، منتاز منتاز.

      و بعد دقائق دخل المرشح المكان فقام الجميع بالتصفيق و التصفير و منهم من هلل و رحب.

      محمود: شو في مالهم بصيحو و بزقفو؟ اجت الكنافة؟
      عوني: ماني عارف، مش عارف اشوف ما كلهم وقفوا و ما قادر اشوف شو في!!

      التفت اليهما شاب بجانبهما و اعلمهما ان المرشح صاحب الحفل قد وصل.

      عوني: لا يا محمود مش الكنافة، اللي اجا المرشح.
      محمود: يعني ما فيش كنافة؟
      عوني: اصبر يا اخي شوي بلكي اجت الكنافة بجوز يوزعوا اشيا ثانية اصبر ان الله مع الصابرين.
      محمود: لا اله الا الله، ع الله اتكون خشنة.
      عوني: يعني فارقة معك خشنة و الا ناعمة؟
      محمود: لا و الله بس يعني الواحد بتمنى.

      بعد لحظات بدأت الخطابات و الاشعار و الاغاني الحماسية، و محمود و عوني يصبران نفسيهما.

      عوني: شو بيقول اللي بسولف؟
      محمود: حكي زي التلفزيون بالاخبار و الله ما ني فاهم شي.
      عوني: طيب قال اشي عن الكنافة؟
      محمود: لا بعده و لا جاب سيرة.
      عوني: بالك فلم و اكلناه، يا خوفي طرقنا المشوار ع الفاضي و شوي بنروح متعشيين خطبة و متحليين قصيدة.

      و ما ان انتهت الخطب العصماء و الاشعار، و إذ بالكنافة تدخل من طرف الصيوان.

      عوني مبتسما: مش قلتلك ؟ هاي لكنافة اجت.
      محمود: ها و الله؟ خشنة؟
      عوني: بعيدة بعدها، ما شفت.
      محمود: انا سامعهم بقولوا خشنة كيف انت مش شايف، و انا امفكرك زرقاء الحمامة.
      عوني: اسمها زرقاء اليمامة.
      محمود: ها كنافة ناعمة؟
      عوني: يا زلمة اسكت فظحتنا.
      محمود: اللهم طولك يا روح.

      وصل الدور إليهما بالكنافة، و أكلا حصتهما و غادر الجمع وحدانا و زرافات و من ضمنهم عوني و محمود.
و في طريقهما مقفلان إلى بيتيهما.

      محمود: شو اسمه؟
      عوني: الوادي الاحمر.
      محمود: وادي شو يا عوني بقول شو اسمه؟
      عوني: النجمة او لبيبة.
      محمود: يا زلمة شو بتخبص، بقولك شو اسم المرشح؟
      عوني: ها المرشح..... ايه ايه و الله ما عرفت، يالله بس الكنافة طيبه.
      محمود: اه بس لو زايدين القطر شوي، ول عليهم ما ابخلهم، نقطة قطر ما حطو عليها.
      عوني: شايف شايف.
      محمود: لا مش شايف ما انت عارف اني بشوفش.
      عوني: يا محمود جيب البطاقة، بلكي عرفنا اسم المرشح.
      محمود: البطاقة معك، انت الي قريتها و تركتها معك.
      عوني: شكلي ناسيها.
      محمود: استنى معي المغلف، بلكي عليه الاسم.
      عوني: هات اشوف، مكتوب على المغلف السيد منير عوني المحمود.
      محمود: مين؟
      عوني: محمود هاي الدعوة مش الك هاي الدعوة لمنير ابن عوني المحمود.
      محمود: يعني مش الي؟
      عوني: لا مش الك، اصلا انت وجه مهرجانات؟
      محمود: ما شا الله عنك تقول البطاقات بتيجيك زيح.
      عوني: ليش هو انت مسجل بالانتخابات؟
      محمود: معيش بطاقة اصلا.
      عوني: طيب طيب، فوت ع دارك هيّك وصلت، تصبح ع خير.
      محمود: و انت من اهل الخير.

فارس غرايبة 

Sunday, 31 October 2010

تعددت المظاهر و التخلف واحد



      تعددت مظاهر تخلف الأمم و اختلفت ظاهرا إلا أن أساسها واحد لا خلاف فيه، فإن أردت أن تعرف مدى انحطاط الأمم بالتخلف تحرى انتشار مظاهره.
      من مظاهر التخلف اهتمام الأفراد بالظاهر دون الباطن و إمعان أفرادها بالعناية بالمحافظة على استمرار و ازدياد تلك المظاهر، و من ذاك تملك كل شيء لا يفيد أو تملك ما علو ثمنه دون معرفة بغايته أو استعمالاته، ففي بلدي لا تركب السيدات إلا مركبات الدفع الرباعي و هي تستعمل لخارج الطرق المعبدة إلا هنا فهي تستعمل لزيادة طول راكبتها رغم أنها تقودها بحذاء الكعب العالي، و نقتني الهواتف الذكية علما أن ذكاء هاتفك النقال لن يمنحك أي نفحة من الذكاء، و نحرص على شراء ملابس شريطة أن يكون شعار صانعها يكاد يطغى على الرداء بأسلوب مقرف لا ينم عن أي ذوق خصوصا ما يطبع بخط كبير على مؤخرة البنطال أو رسمة حمار على صدر لابسه، فضلا عن امتلاك أجهزة تزخر بالتكنولوجيا الحديثة دون معرفة كيفية استخدامها، فيصبح صاحبها كالحمار يحمل أجهزةً، أما الأرقام فنحن امة مهووسة بالأرقام فبدأ برقم لوحة المركبة انتهاء برقم الهاتف علما و لذكائنا الفذ ما عدنا نحفظ الأرقام فكلها محفوظة بذاكرة هواتفنا التي أصبحت اذكى منا.
      و من المظاهر أيضا الحرص الشديد على التشبث بالألقاب، السيد الأستاذ الدكتور المهندس علنتان الفلاني المحترم، هل الهدف معرفة اسمك الذي أسمياك إياه والداك أم أن اعرف سيرة حياتك؟ أم انك تقدم طلب توظيف دائم؟ كانت الناس يعرفون الأسماء و تهاب و تحترم أصحاب الأسماء من سيرتهم فيما بينهم دون ألقاب، فما كان صلاح الدين إلا صلاح الدين و عنترة لم يسمى يوما سعادة السيد عنترة المحترم، و إن كان منكم من اضطلع و لاحظ فإن امتنا بدأت تنحدر بوتيرة تتناسب عكسيا مع ازدياد الألقاب. و للتوضيح فكلما زادت الألقاب انحطت الأمم، فأكثر الخلفاء العباسيين ألقابا آخرهم.
      و من مظاهر التخلف أن يصل الشخص من الصفاقة لدرجة أن يعتقد انه يمتلك شيء يمتلكه غيره في آن، فكلنا نمتلك الشارع و نستبيح حرمات النوافذ و نقطف إزهار الحدائق و نركن المركبة في كل مكان ليس للوقوف و نزرع الأرصفة و نصم الآذان بصوتنا أو ببوق مركبتنا و نزاحم كل بعضنا بعضا إلا على باب المصعد فنخرج كل فنون الكذب فتظهر المقامات و اليمين و نستبيح الأيمان بالله لدعوة من يقف هناك أن يدخل قبلنا و هو مصعد سيصل بكل الركاب بنفس الوقت، إلا أننا حتى بهذه لا نستطيع إلا أن نتخلف، أما في الحافلة أو الشارع أو الموقف أو دور الانتظار فتبا لكل المبادئ، فلتقف العجوز و ليدهس الأطفال و ليُرهب المنتظرون، نعم إن من مظاهر التخلف أن يكون تجاوز القانون و استباحة النظام ترفعا و علو بالمقام.
      تبا لهذا الزمن تبا لهذا الزمن تبا......

فارس غرايبة

Friday, 15 October 2010

هل هناك في السماء؟


      أنظر ليلا إلى السماء، أرى النجوم تتلألأ و الأسئلة في رأسي تلمع، ذاك نجم له بريق غريب، يا ترى امن أحد هناك؟ هل يعيش عليه كائن ما؟ هل يشبهني بشيء؟ أو يشبه أهل ارضي بشيء؟
      لابد أن هناك طفل بات الليلة يبكي جوعه، أو طفل بات سعيد لما وعده أبوه إياه بالغد كذبا كي ينام و ما من شيء بالغد، لا بد أن هناك طفل يبات يبكي فقدان حنان أمه التي هجرته، أو طفل يبكي أن غدا ليس له أب، و هناك يتيم استذكر لمسة يد أمه في ليل حالك و هي تغني بهدوء لينام، طفل يحتضن وسادته يخالها صدر أب حاني كباقي الأطفال، و طفل لا يدري من يبكي غصة في قلبه فهو لطيم.
      لا بد أن هناك أم تنام اليوم ثكلى تشعر بقلبها ينازع الضلوع و تبكي ولدها الذي أودعته قبرا مظلما صباحا، و أم فارقت ولدها طريح فراش لا تدري أستبتسم له غدا، و هناك أم تبات و قد زفت ابنتها لزوجها لا تعلم أسينعّمها بحياتها أم سيظلمها و يقهرها باستعباد، أو زوجة قهرها زوجها بخيانة تكتمها كالسم في الأحشاء خوفا على الأولاد.
      أكيد هناك أب يبات تخنقه غصة فؤاد منفطر لقلة حيلة، و يبكيه حاجته لثمن قلم يطلبه ابنه ليكتب له به عبارة حب و وفاء، و آخر لا يغمض له جفن حائر من أين يأتي بالدواء؟ و ذاك مقهور على ابنته التي جاءته تشكي ضرب زوجها لها صباح مساء، و آخر يسأله ابنه لم أنت لست كباقي الآباء؟
      الهي. رب العزة أحمدك على ما أغدقت علي من جود عطاء، اللهم لا تحرمنا ما أعطيتنا و ابعد عنا البلاء، ربي إعط كل محتاج من أولئك ما يسلي قلبه و يصبر فؤاده و تقبل منا هذا الدعاء.   

فارس غرايبة

Monday, 11 October 2010

تائه في صحراء الاستجهال



      تائه أنا في صحراء مترامية السراب، رملها حتّ من عذاب و مرارة الظلمات، حالك نهارها و ليلها مكفهر السواد، صحراء شيخها يهوى العطب و لا يقرّب إلا الأغبياء، حتى أصبحت مرتعا لكل سفيه متشبث بسفاهات الاستجداء، حذار أن تفكر فملعون منبوذ من بدا عليه أي لمحة ذكاء، حتى إنهم يلعنون كل من بفكرة جاء، و أحيانا يدور حديث أنهم يعطبون أدمغة كل من بدر منه لمحة فكر، و ينعتونه انه ليس بابن الصحراء.

      تائه أنا في تلك الصحراء، عبثوا ببوصلتي حتى أصبح الجنوب غربا و الشرق إلى الوراء، بعد أن خرجت ابحث عن بصيص نور استغله كي اقرأ أحرف الهجاء، إذ هناك ما كان إلا الألف و لم يصلوا بعد إلى الباء، سرت أتحرق شوقا لكل أحرف الهجاء و قدمي تتحرق من رمل الصحراء، حاف أنا مجرد من كل رداء، آسف أنا على جهل من تركت بالبيداء، إستَسرَقَ سمعي صوت حدّاء، انه تاجر يغني إبل محملة بكل ما تشتهي النفس و ماء، نظرني عاريا فرمى إلي بخرقة بالية كي استر البلاء، و بعد أن أسقاني و تنفست الصعداء، سألني أي خطب بك جاء؟ صدقته و أعلمته إني باحث عن ما بعد الألف و الباء، قال إن سرت شمالا حتى تجد ارض حمراء كالحناء، انظر صخرة تحوي مغارة تحسبها صماء، يجلس بها شيخ احترف تركيب أحرف الهجاء.
      بت أحث السير شوقا إلى ذاك المكان بعد الصحراء، وصلت إلى المكان و كأن للأحرف فيه أصداء، وصلت ذاك الشيخ الموصوف بجهبذ من الألف إلى الياء، و إذ به كهل كفيف و في وجهه صفاء، سألني عما ابحث بعد أن طويت الصحراء؟ أجبت بتواضع أريد تعلم أحرف الهجاء، قال تعلم و اكتب ما سأمليه عليك كلمات توارثتها من الحكماء، أنا كفيف لا أرى الخيلاء و لا ما وضع زائري رداء، أنا أصم لا اسمع الألقاب و الأوصاف فكلها عندي سواء، أنا أبكم لا أتحدث بنميمة أو حديث رياء، تشبث بما استكتبتك و لتكن لك دستور حياة فهي خير وجاء.

فارس غرايبة 

Monday, 27 September 2010

بني الحبيب






      سليم بني الحبيب في مثل هذا اليوم قبل سبعة أعوام و في تمام الساعة العاشرة و خمس دقائق مساء أتيت إلى هذه الدنيا، يومها شعرت بمشاعر متضاربة غريبة.
      أولها حب جم ما شعرت كمثله حب، حب لا يجاريه حب و من نوع غريب، بنفس اللحظة ازداد حبي لوالدي إذ أدركت مدى حبهما لي إذ هو كما أحببتك، مهما فعلت لهما ما أنصفتهما، شعرت بحجم آلام الأم، ألم تلذذت و هي تقاسيه، حب الأب الذي لم يمهلني القدر أن أبادله جدك إذ أدركت الشعور بهذا الحب بعد أن انتقل جدك إلى جوار المولى عز و جل بأشهر قلائل.
      شعرت أيضا بخوف شديد من هذه الدنيا البائسة الظالمة، في زمن التسلق بالتملق، زمن رجال المال، زمن تشترى به الرؤوس بحفنة من النقود، لكن اعلم يا بني أن مهما كان في زمنك من قبح النفوس تسلح و أدعو الله أن يقدرني على تسليحك، لا تسليحك بقطعة حديد صماء بل تسليحك بعلم تترفع به عن الجهلة و فارغي الرؤوس و تحاجج به كل مقدر للعلم و المعرفة، أسلحك بخلق يحير أعداؤك فيعجزهم فيتهاووا كأوراق الشجر بالخريف، بني إن شعرت يوما بان العلم و الخلق الرفيع و الترفع عن الرذائل لا يفيد اعلم انك في مكان ظالم بائس لا يرتعه إلا الشياطين فاهجره و لا تأسف على أي مما كان فيه.
      بني تجنب السفهاء الجهلة احتراما لعلمك، تجنب المتسلقين المتملقين احتراما لذكائك، تجنب الصغائر احتراما لقدرك، و قبل كل ذلك تواضع و تواضع احتراما لي و لجدك و لكل من استن سنة التواضع، بني إياك أن تشعر بصغر بالتواضع فهو أساس الرفعة.
      بني الحبيب قد لا تدرك معاني ما اكتب لك اليوم لكن ثقتي بأنك من الفراسة انك ستحتوي معانيه إن شاء الله.              
      ولدي الحبيب ارع أختك و تلطف بها اغمرها بحبك فما لها سواك اعلم يا بني أنها غالية علي كما أنت، و اعلم انك إن كنت الأرض فهي زهورها و ورودها. أحبتي سليم و سارة لا ترجوا التوفيق إلا برضى أمكما.
      ولدي الحبيب الغالي كل عام و أنت بعلم و خير.  

فارس غرايبة 

Tuesday, 13 July 2010

الدم البارد



      ازدحمت الحافلة بركابها الذين تجمهروا جلوسا و وقوفا، و تجمع بعضهم عند المخرج في وسط الحافلة، نظر السائق و قال ابتعدوا عن المخرج، تزحزح بعض الركاب هناك إلا أن ذاك لم يعجب السائق الذي قال إن هناك مقاعد فارغة كثيرة بالطابق العلوي من الحافلة اصعدوا إليها، إلا أن أحدا لم يصعد، فما كان من سائق الحافلة إلا أن توقف و أطفئ المحرك و التفت و بصوت مرتفع أعرب عن امتناعه عن القيادة ما لم تنفذ أوامره.
      وقفت إحدى الراكبات و باشرته بالكلام بأنه ليس من حقه أن يجبر احد على الجلوس لا بل ليس من حقه تحديد مكان وقوف أو جلوس أي من الركاب حتى انه ليس من حقه مجرد التحدث مع أي منهم، و أبلغته أنها ستشتكي للمسئول عنه، و بعد لحظات نزلت من الطابق العلوي راكبة أخرى و نظرت إليه و سألته بأي حق توقف الحافلة؟ أنا يجب علي أن الحق بالحافلة التي انطلقت الآن من الموقف التالي و أنت بتصرفك هذا حرمتني من حقي بالوصول بالوقت الذي يناسبني، اجبني ما الحل الذي لديك الآن لتعوضني بدل تأخري الناتج عن تصرفك الأرعن؟
      عدت إلى البلاد و باليوم التالي ذهبت إلى مكتبي لا لشيء إلا لتوقيع بعض الأوراق و تحرير دفعات فواتير و الاستماع لبعض المشاكل التي حصلت بغيابي و كيفية حلها، و اجتمع بعض الموظفين يهنئون بالعودة سالما، و دار حديث عن تلك البلاد و عادات أهلها و حياتهم، ثم بادر احدهم و وصف أهلها ببرودة الدم، نظرت إليه و سألته ما المقصود ببرودة الدم؟ هل نحن الذين نصمت عن كل الأخطاء من حولنا دمنا حار و هم الذين لا يقبلوا أن يتنازلوا عن اقل حقوقهم دمهم بارد، هل التهور و الرعونة بالتصرف و الميل إلى التشاجر لأتفه الأسباب لان دمنا حار أم معرفة حقك و إصرارك على نيله و التمسك به برودة دم؟ هل التجبر بالمرأة و امتهان ضعفها لدرجة الاستعباد واختزال همها برداء و غطاء في حين يوشك الرجل أن يُغتصب كالإماء و يُساق كالبهائم إلى المجهول حرارة دم؟
      تلك الليلة بت أفكر بما نحن؟ لسنا على خارطة أي انجاز على أي درجة من الأهمية أو السخف، نحن حتى بأسخف الانجازات السخيفة كالرياضة مثلا ليس لنا أي وجود، فكيف بنا نكون بأي مرتبة بين الانجازات العظام، و نتمسك بحرارة الدم و سخف المظاهر الكاذبة، نحن باختصار لكثر كذبنا أصبحنا نكذب حتى على و عن أنفسنا.
      إلى متى نتشبث منهزمين وراء شعارات لا نفقه معانيها ، و بمجرد تلفظنا بها ندين أنفسنا دون علمنا أو لجهل لفنا حتى أعمانا؟

فارس غرايبة

Monday, 14 June 2010

أبطال الورق



      حديثي هذا سوف يغضب البعض و يؤلم آخرين، اعتذر من البداية إلا إن الألم شعور يلازم الشفاء و الاستشفاء منذ الأزل.
      ما أن وعيت على هذه الدنيا و أنا أتلقى أخبار أبطال الأمة هنا و هناك، منهم من عاصرت و منهم من لم أعاصر لكني عاصرت من عاصرهم و كان ما زال يتغنى ببطولاتهم و عبقريتهم القيادية الفذة التي ندر نظيرها، و شح مثيلها.
      عشت كل سني عمري استمع لخطاب بطل من الأبطال تارة و أصغي لتحاليل عباقرة السياسة و فطاحل الدبلوماسية و جهابذة الفكر من حولي تارة أخرى.
ذاك يمنّي الأمة بالنصر و الفتح المبين و يهول من حوله أبواق الأنظمة والتنظيمات و يجوعون السمك تارة و يرسمون طرق النصر عبر عمان و يتوعدون الأعداء الاستغراق، و في النهاية غرقنا نحن بالهم و الغم و الدّين الذي استجرّه علينا التسلح و التسليح الفاسد.
      و آخر يناضل و يفادي و ينظم عمليات بالسر و العلن، يتخفى برداء امرأة تارة و يظهر من بين ثنايا العتمة تارة أخرى، أفنى حياته يتبسم و يقبّل و يقبّل و يقبّل و بالنهاية كان جل مطلبه دولة ولو على منطاد.
      من هناك ظهر علينا يغدق المال على كل مادح كان في البداية علماني و في النهاية استشهادي، اكتشف إن الطريق لتحرير القدس لابد أن تمر عبر الكويت، و عشمنا هذا الآخر بالكيماوي و الجرثومي و الفيروسي حتى أصبحنا نعامل معاملة الفيروسات و الجراثيم في هذا الزمن، و ما زال لغز كيماويه يكوي جنبات العراق الحزين.
      جل أولئك أجمع كل من حولهم أنهم ماتوا شهداء و كأن الشهادة شكل لباس أو نوع غذاء أو حتى قصة شعر، و أنا أرى أنهم و كثر غيرهم ما هم إلا أبطال من ورق و أنا أول من يمزق الورق كي لا أورث ولدي فن الكذب، و سأعلمه أن الأبطال يعملون دون كلام و يتركون الكلام لمن يرى أعمالهم و يستشعر نتائج الأفعال.
      و الآن يظهر علينا بطل من الروم، استبطلته الأمة من حيث لا يدري، استبطلوه لظمئهم لبطل ليس للقتال بالصفوف من خلفه بل للتغني بأشعار عن طلته البهية و إعادة استدراج جهابذة التحاليل و عباقرة التنظير لملء الفراغ و حشو أوقاتنا بجرعات من المخدر الأممي، و ما الغاية من استخلاق هكذا بطل إلا لجرعة جديدة من الإحباط.
      و من هناك شرقا من خراسان لا ندري إلى متى يتوعد و يفاوض و يفاوض و يتوعد، و يزرع الأرض بمنظّريه و يشعل كل مكان عربي بالفتن دون أرضه، يحث مقاوم و يدعم مقاتل، و كلهم في ارض ليست أرضه و ليست ارض الأعداء.   

فارس غرايبة

Sunday, 2 May 2010

أحب جدي....



      أمس الجمعة كان اليوم المفتوح في مدرسة ولدي، و كان مشاركا بفقرة عن درس باللغة العربية عنوانه أحب جدي، كم سعدت بما قدمه ولدي رغم اهتزاز كياني و بقيت متصبرا متمنعا لخاطر ولدي، آه يا سليم لو عرفت جدك!!
      جدك يا سليم لو لقيته لمنحك من الحنان في ساعة ما نعجز أنا و أمك عن منحك إياه في سنين، آه يا سليم لو عرفت جدك، جدك يا بني كان للتواضع مثالا كان يصافح العامل البسيط كما لو انه يصافح أميرا، كان يعرف و يعرف كنت أحاول أحيانا أن أحدثه بمواضيع جديدة ظنا مني انه لا يعرفها و يتركني أتحدث و أتحدث و هو مصغ حتى أظن أني قد عرفت ما لا يعرف و بعد انتهائي يبتسم و يصحح لي أشياء ذكرتها، جدك يا سليم لو لقيته ساعة لاستغنيت عن كل دلال أمك و أبيك و اكتفيت.
      لم اسمعه يوما يشتم، و لم اسمعه يوما يغتب، رغم ما عرفه من أسرار و أسرار عايشها و عاصرها و كان جزءا من بعضها، كان حليما و اكبر المشاكل كان يحلها بصبره و تحمله، رغم قلة غضبه إلا أني اذكر يوما و نحن في مجلس رجال جاء احدهم و هو لا يعرف الحضور تلسن على ابن عم لنا فما كان من جدك إلا و ببعض كلمات صارمات خلون من كل بذاءة أوقف ذاك الصاغر عن كلامه و بات الجمع يعتذر لجدك لما بدر من ذاك الشخص الذي حار ما يجيب و للأسف يا ولدي ابن العم ذاك كان و ما زال يضمر العداء لجدك بالسر و العلن.
      كم تمنيت أن تجالس جدك يا ولدي لتعلمت ما لن أستطيع أن أعلمك إياه لاني ما زلت أتمنى أن أستطيع تعلمه، الصبر الحلم كظم الغيظ و الإيمان، في اشد الأوقات كان شعاره ربك بيسر.
      ولدي سليم أثلجت صدري بالأمس، و اعذرني يا بني لقد كانت روحي تنازع حنجرتي كما هي الآن و بفيض من الدمع، فاليوم الأول من أيار ذكرى وفاة جدك ندعو له بالرحمة و المغفرة و اعتذر عن الإكمال.

فارس فالح غرايبة

Wednesday, 28 April 2010

غرفة الدموع و الأمل




      قبل مدة قصيرة اضطررت للبقاء مرابطا في مستشفى ملازما سرير والدتي التي بحمد الله منّ القدير عليها بالشفاء، خلال تلك الفترة بقيت أمي بالعناية الحثيثة لمدة وجيزة.
      لفت نظري قاعة انتظار لذوي نزلاء ذاك القسم اعني العناية الحثيثة، تلك القاعة التي ضمت على مقاعدها الباردة رغم دفئها، أمهات و أخوات، بنات و زوجات، آباء و أبناء و أنسباء، كثر كانوا هناك ذاك مثقف يتحدث عما عرفه من الأطباء، و آخر بتواضع يتحدث عن شيخ صاحب كرامات، و رجل أنهكه كثر شرح الحالة لكل من سأله عن حال مريضه، و تلك الأم ماانفكت تبكي بدموع غزيرة و ما سمعتها تتحدث قط، و عجوز مرابطة على مقعدها ما تركت مسبحة طويلة كانت بيدها أبدا أكاد اجزم أنها ورثتها من أمها فتسابيح الليل و النهار بادية الأثر على حبات تلك المسبحة، و رجل كلما دخل إلى المريض أجاب انه أفضل الآن فما عساه يجيب تلك الحشود الظمآ لما يروي عجزها و قلة حيلتها، أما اختنا السودانية مع طفليها و كأنها الأولى هنا فهي تعرف كل المخارج و معظم الممرضات، و حفيد احدهم منعوه الدخول كونه صغير و هو يصيح اعرف أني صغير لكنه جدي فكيف يكون هناك جد لمن هو ليس بصغير؟ و يوم الجمعة حضرت زوجة ابن احد المرضى فاعتزلنها بقية النسوة و نبذنها و كأنها السبب في مرض حماها فبقيت لبرهة و اضطر الابن للخروج بعد دقائق ليعيدها لبيتها و انتشت الأم بفرحة و كأنها منتصرة عليها و هي لم تعلم أن ابنها الضحية، آخرون يدخلون و يخرجون بصمت قاتل، هناك بالزاوية البعيدة مجموعة من النسوة يتحدثن عن فردوس التي لم تأت و لم تسأل و اتضح لي إن فردوس زوجة أخ المريض فكانت فردوس بطل تلك الحلقة من النميمة، أما جمال فكان بقمة امتعاضه من أخيه جعفر الذي كان صاحب النجومية كونه من البادي انه على درجة من الثراء لكن للأمانة كل الجهد كان يقوم به جمال فامتعاضه بالحقيقة كان ليس من أخيه بل من قلة التقدير.
      في لحظة سوداء بدأت حركة نشطة من ذوي المآزر الزرقاء يتراكضون و بعض من ذوي المآزر البيضاء أيضا، تلتهم أجهزة ضخمة غريبة، و جاء رجال يرتدون لباسا شبه عسكري نعم إنهم حرس المستشفى، و بعد أن توتر الجمع و كأنهم بانتظار إعلان، إعلان اسم اختيار القدر، خرج الطبيب معلنا وفاة احد المرضى و معزيا من حضر من ذويه، خيم الصمت الذي تخلله بعض آهات و تنهيدات من باكين و باكيات، حضر الموت فاخرس كل من شغل حديثة تفاهات الدنيا و انتقادات التصرفات و ما يجوز و ما لا يجوز، أطبق الصمت الأسود تلك الساعة فيا ليت اعتبرت تلك الأم و رحمت ولدها و احتضنت زوجته و يا ليت شغلت تلك الزوجة كلامها بالدعاء بدل انتقادها زوجة أخ زوجها، و ما أبقاني عاجزا منظر تلك الأم التي ما سمعتها تتحدث أبدا و تلك الجدة ذات المسبحة الطويلة، وقفن و كأن انتهى الانتظار و خرجن و كأنهن استنفذن الدمع خرجن بصمت كما كن، لا أراكم الله مكروه.

فارس غرايبة

Wednesday, 11 November 2009

الوالي و المسكين و الحمار العنيد



      في زمن غابر قديم، عاش المسكين أمين الذي يعتاش من نقل الأحمال على حماره العنيد في سوق المدينة، تلك المدينة الكبيرة ذات الأسوار المنيعة و قلعتها الحصينة التي اتخذها الوالي مفوض السلطان منزلا له، متحصنا من الأعداء في تلك القلعة، أعداء لم يرهم يوما و ما عرفهم حتى إن كل السكان تحدثوا عن وهم وجود الأعداء و وسواس الوالي.
      كان الواهم أسير قلعته و إذا أراد التنقل كان يمر مسرعا بعربة مغلقة مع جموع و جموع من عسسه و جنده المدججين بالسلاح حتى أن ما من احد من السكان عرف يوما للوالي شكلا، حتى إنهم أشاعوا انه ذا شكل لا بشري أو انه هجيــن بين الإنسان و كائن عجيب، لكن الوالي كان عادي الشكل و المنظر إنسان الهيئة و المظهر، لكن من غربته التي لف نفسه بها استوحش و قلبه تحجر، و كل مرة و مرة مد الوالي أسوار قلعته و زادها ارتفاعا و ارتفاعا، حتى بات السكان يسمون القلعة القوقعة و تندروا أن الوالي أوشك أن يحجب الهواء لولا انه أدرك حاجته للتنفس.
      فــي يوم عادي ككــل أيام المسكين أمين، كان يقف عند طرف السوق يرجو الرزق من الكريم، و يسأل المارة إن كان احدهم بحاجة لامين و حماره، ليحمل ما يشترون و إيصاله، إلا إن أمين غاب حظه في ذاك اليوم، و كان الوالي مضطرا مارا من جانب السوق مسرعا و جموع الحرس تصيح و تهش على المارة كأنهم بهائم ضالة، و في تلك اللحظة انتفض حمار أمين المسكين و فر من بين يديه ليقف ثابتا متسمرا أمام عربة الوالي، نعم عربة الوالي دون كل العربات، و حمار أمين المسكين دون كل البهائم.
      في لحظات تجمع العسس و الجند الحرس و بادروا الحمار ضربا و ركلا إلا أن حمار أمين مشهور بعناده الذي لا يلين، عنيد الحمار عنيد، ارتعد الوالي خوفا و صرخ يسأل عما وقع، لما توقفنا و ما الذي لمسيرنا منع؟؟ انه الحمار يا سيدي رد قائد الحرس، ماذا قلت الكفار الفجار؟ لا يا سيدي الحمار، ماذا أتنعتني بالحمار؟ لا يا سيدي توقفنا بسبب حمار، لا لا حذار إنها مكيدة أعداء، يستعملون البهائم لقتلي غيلة، اقتلوا الحمار، هذا أمر الوالي، فالتفت قائد الحرس و صاح معلنا أن الحمار من الأعداء المتآمرين على الوالي، و ابرم الأمر بقتل الحمار، فصرخ أمين المسكين قائلا: أنا أبعده عن طريقكم، اسمحوا لي، فاخذ أمين بالحبل و ابعد حماره عن طريق موكب جناب الوالي، و التفت إليه قائد الحرس و سأله هل أنت مدبر مؤامرة الحمار؟؟
      لا يا سيدي رد أمين المسكين أنا مجرد مسترزق الأحمال في السوق، و ما لي أي سبيل إلى أي مؤامرات، و إنني لأستنكر و أشجب و أعلن عدم مسؤوليتي عما فعله الحمار بالوالي، و كان أمين من الذكاء إذ انه لم يبت إلا و هو خارج المدينة مهاجرا ساعيا وراء سلامته، و اشتهر في البلاد بأمين صاحب حمار مؤامرة الوالي.

فارس غرايبة