Monday, 31 January 2011

محطة أخبار الجزبية


      كلنا نستقي أخبارنا من مصادر موجهة مأجورة، تابعة و خاضعة لأجندات متفرقة، فها هي محطة تصر أن ما يحدث في مصر بفعل تنظيم دون آخر، و حركة السلب و النهب هي نتاج أي حركة تحرر، و مصير كل من تسول له نفسه حلم التحرر، و أخرى تصر أن الشرطة، و بسبب تعاملهم الدائم بحكم الوظيفة مع اللصوص و الغوغاء، أصبحوا منهم و يترأسوا عصابات للنهب و الترويع، و أخرى تستضيف من لندن المناضل المستتر الذي يوافينا من تجربته الشخصية التي مر عليها فقط خمس و ثلاثين عاما حينما أُبعد في عهد الرئيس أنور السادات، و ينظّر علينا من عاش مستجديا بكنف النظام الدكتاتوري و يحدثنا بمجموعة من المصطلحات التي يكاد لا يفهمها غيره من ديماغوجيا و ثيوبلطجية و الانبطاحية الزئبقية الموالية للغرب، و كأنه لا يعلم أنه لم يعد هناك شرق حتى نميز منه الغرب، و آخر أستاذ دكتور متأرجح بين جامعة بطر و جامعة وست بست يلقي بمحاضرة عن ما يمكن حدوثه فيما لو أن و لكن و ليت و لعل، و المحلل السياسي يباغتنا بعصارة تحليلاته فيخرج بأن المطلوب قيادة شعبية من النخبة ذات اضطلاع بالمسائل الاقتصادية بخلفية عسكرية دبلوماسية يؤمن بالشيوعية العشائرية و ملتزم دينيا، و حتى بعض فنانين من نخبة الاراجوزات وصلهم الدور في تملق الإرادات.
      أما الشباب صاحب الحق الوحيد يبقى مستسلبا حقه، مكمما فاه، مقطعة أوصال لغته، المرابطين في ذاك الميدان ينتظروا تحقيق اسمه (التحرير)، فلا بواكي له، يأتيهم بطل يحمل الامل سقط عليهم بمظلة نووية، و أيسر كهرباء لم يره أحد بين الحشود لانشغاله بطباعة البيانات، و قيادات و قيادات تخاف على نفسها و كأن أرواحهم أغلى على الوطن من أرواح أولئك الشباب، شباب يعرف ركوب الحافلة، يعرفوا اسم بائع الفول يحدثون الكل و هم من الكل، يسبحون في دنيا العالم الرقمي فيروا و يقارنوا فيتحسروا و يتألموا ثم يتساءلون لم نحن لسنا ككل من نراهم هناك؟
      اليوم لا قادة فكل من هناك من الشباب هم القادة، احذروا ان يسلبكم عناءكم دمى السياسة، و أبواق النظريات، فاليوم انتم القادة.

فارس غرايبة

Friday, 28 January 2011

مصر.......ألف ليلة و ثلاث ليال


      ناموا فنمنا و ننام فينامون، كم تغزلنا بالليل و النجوم، كم أبدع الشعراء بعد أرقهم بهيام يسهرون، هل عشقنا الليل حتى توطنت فينا الظنون؟ حتى إذا ما الشمس سطعت نلوذ وراء العيون، و حينما نرى من يعشق النور نتهامس جهلا و خجلا لا يستطيعون لا يستطيعون.
      لو أن أحدا أعرض عني أنطوي و تؤرقني الليالي لأعوام و يمسني الجنون، فكيف من يهتف آلاف ملء الحناجر أخرج ابتعد و لصوره يمزقون؟ و يسعى لتكميم الأفواه و قطع أوصال سبلهم عبثا فإن لم يسمعهم أو يراهم احد فملايين وراءهم بقلوبهم يرون و يسمعون، نعم لقد ذاقوا دفء الشمس بعد ليل طويل ظلامه يلعنون.
      أشرق فجر، يفضح القهر، يهز القبر، يكشف الجحر، جباه سمر، تحمل سفر، دستور الحر، ساعة صبر.

فارس غرايبة

Saturday, 22 January 2011

شهيق و زفير


      بعض الكلام لا تحتمله الكلمات و تهابه الحروف، كما شمس الصباح تفر منها النجوم، و أحيان تأتي بسذاجتها الغيوم، ظنا بأنها تحجب النور، لكن الريح تطردها إلى ما وراء الغسق البعيد، فتبكي و دمعها يبلل الطريق، طريق الحياة أبدا لا نعرف أهو قصير؟ أم زلقة وعرة هي الطريق؟ تتعرج بنا الأيام بين شهيق و زفير، بعض الشهيق مؤلم لكن لا حياة دونه و بعض التنهيدات زفير، ننام هربا من آلام، فتؤرقنا حلما يمزق هدوء الليل، بسكين الهم الدفين، نبحث في الغد عن دواء لذاك الذهن العليل، فنغوص برمال صحراء النفس بحثا عن دواء يشفي سقما في الأحشاء دفين، أهو وهم اصطنعناه أم حقا وباء مستشري بين الأضلع يسير؟ دموع تحرق الأجفان تغتصب البكاء فترتد على الصدر عبئا ثقيل، أتوقفت الأرض سعيا وراء الغد بشروق الشمس الجليل؟ فتصبح لتجلي العتمة و يمضي يوم من الزمن الحقير، زمن استفحل في نفوسه حقد دفين، يستتر وراء نفاق رياء لوهلة جميل، ضاع الحق و دفنه غبار القبور، فتنازع النفس الأبية و تتوق للنفور، تصارع الهدوء تصرخ أما من نصير، لكن لا ندري إلى أي وجهة نسير، أسيباغتنا الغد بألم جديد، بيده سيف قُدّ من حديد، أم أن في الغد عيد؟

فارس غرايبة

Wednesday, 19 January 2011

تائه بين ماركة و الماركة


      لا فرق عندي بين من يقود الأفانتي و من يرتدي ملابس من أفانتي، كما أن من يرتدي البربري ليس بالضرورة أن لا يكون بربري، أما إن لبست الفندي إياك أن تعتقد انك بذلك تصبح أفندي، و أجزم أن من ترتدي الجوسي ليست ( غضة / طرية ) كما تُعلن تدري أو لا تدري.
      اتصلت بي سيدة تروّج لاشتراك بعضوية احد الفنادق بعمان، قالت ( بونجور ) طبعا أجبت يا هلا، و بدأت بشرح ميزات العضوية و أغلبكم يعرف عما أتحدث من تجاربكم، و أقنعتها بأنني لست من رواد أي مكان حتى أوشكت أن تقتنع هي أيضا بعدم الخروج، و بقيت تسألني ( أنت ما بتضهر أبدا؟ ) ما أستغربه الاعتقاد السائد لدى أصحاب هكذا حملات أنها ستنجح بتغيير اللهجات، كما هي الإذاعات و المحلات، فكثير من صالونات السيدات يعمل بها ( جو ) من زوء مكايل الذي كان بالأمس عبد الستار من الرصيفة، وبالحديث ما عدت أميز بين عودة و عودة و عودة، عودة: الفعل الحلم و عودة: الاسم و عودة: البنك، يا ناس ارحموا أنفسكم.
      مسكين من تنطلي عليه خدع الخِلَع، و ساذج من يعتقد أن النعومة و الجمال مرتبط بلهجته، هل تواجه ثقافتنا حملة إقصاء بالقاف أو بالخاء سمها ما تشاء، أم أن لكل زمان لهجة و بلاء؟      
فارس غرايبة

Monday, 17 January 2011

تخبيص و هذيان


      عفوا،،،، لقد فقدت البوصلة، ليست معطلة و ليست مكسورة بل مفقودة، بالأمس القريب أشعل محمد النار بنفسه، بعضهم قال لضيق مادي و لبطالة و آخر لكثرة الأعباء، الحقيقة لا أعرف لكن أظن الكرامة، اسرح و أجول كيف من عاش ضنك الفقر و نكد العوز بعفوية تصرفه يحدث زلزالا يطيح بعرش من عاش حياته بترف و سلطان مطلق؟ سبحان الذي على العرش استوى. هل هي الأسباب أم الدنيا؟ مخيف لكل من ظن انه بمنأى عن خطوب الدهر، من بعده شباب في الجزائر و آخر في مصر و موريتانيا حذوا حذو محمد، لكن لم يخرج أحد، هل مازال هناك متسع للصمت؟ أم كم من حرق الشباب يحتاج الأمر؟ لا أدري لم خطرت ببالي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، لا أدري ..... هذيان.
      هل ما يمنع تكرار النموذج التونسي في مصر خوف الشارع عموما من نشوء نظام حكم ثيوقراطي؟ كونهم أقوى المعارضات و أكثرها تنظيما؟..... عفوا عدت للهذيان.
      مدد فاز المنتخب بمباراة اليوم، مدد جاء للحكومة الرفاعية مدد، الكل فرح بزهو و يطير بالعلم حتى اقتلع الوتد، مدد. غريب أو لا ادري، لكن اعتماد النمط الاستهلاكي و الابتعاد عن الزراعة و اعتمادها مهنة في المجتمعات، يؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطى، مما يوسع من الفجوة الطبقية، التي بدورها تؤدي إلى انعدام تكافؤ الفرص، إن أردنا أي إصلاح اقتصادي منهجي يجب أن نركز على إعادة هيكلة و إحياء للطبقة الوسطى دون الاعتماد على الوظائف الحكومية العامة، بل بتشجيع المشاريع الصغيرة و المتوسطة حجما و دعمها بطرق عدة، منها تخفيف أو إزالة العبء الضريبي عليها، و الاستعاضة عنه بتحميل الفوارق على الشركات الكبيرة، و تسهيل الحصول على التمويل الميسر صغير الحجم و قليل التكاليف، و لا ننسى أن لا بد من تحمل بعض الفترات من الإرهاق المالي العام في البدايات، باختصار إذا فرضت ضرائب على الشركات الكبيرة لا بد من منعها من تجيير هذه الأعباء، و إعادة تدويرها و فرضها على المستفيدين من ناتج ( سلع أو خدمات ) هذه الشركات، يعني إذا فرضت ضريبة مثلا على شركات الاتصالات أو الكهرباء يجب منع هذه الشركات من إضافتها على فواتير المستهلكين و يصبح طول الفاتورة مترين، بل يجب اقتطاعها من أرباح هذه الشركات دون تحميلها على المواطن. فهمتم قصدي؟ عفوا عدت للهذيان و التخبيص أيضا.
      ها هي صدرت لائحة القرار ألاتهامي، لا اعرف فحواها، هل ستعصف موجة من الحرق لبنان؟ أم تمخض الجبل فولد فأرا، عفوا عدت للهذيان، خير لي أن انسحب، آسف لإزعاجكم بهذياني.

فارس غرايبة

Thursday, 13 January 2011

وطني يؤلمني


      علّمتني الأيام أن لا وجود لعفوية الأحداث، فإن أرادوا أن يحدث شيء، فإما أن يُطلقوا العنان للأيادي الخفيّة المستَتِرة وراء قفّازات مختلفة الأشكال لتتحرّك بالخفاء، و إما أن يُبادروا بمجموعة من الضّغوط تدفع باتجاه مجموعة من قرارات و توجيه إعلاميّ مع بعض المحفزات الشعبية بنكهة الوطنية، لخلق حالة من الأجواء تؤدّي إلى ما يُريدوا من أحداث و تحرّكات.
      علّمتني الأيام أنّه و إن وقف خطيب مُفوّه يَصرُخ لساعات في أكثر الأماكن ازدحاما، يمكن أن يستوقف ما لا يزيد عن عدد أصابع اليد من المارّة، يرمقوه بنظرات العطف أو الاستغراب أو أن لا يسمعه أحد كونه بنظرهم مجنون، و كل من يسمعه منهم لن يدرك موضوع الحديث بتاتا لازدحام الهموم.
      مِن هذا، و لا أدري هل هو تفكير ملتو أم أنّني أهذي!! يبرز في لبّي تساؤل لم استهدي إلى الجّزم بجوابه، ماذا بعد؟ ما الغرض، ما الغاية؟
      هل نَضج ما يُطبخ من قرارات سياسيّة مصيريّة في كواليس السّاسَة خفاء في تلك البلاد البعيدة بمشاريع عابرة للإرادات و الأماني؟ أم أن نُذر قدرنا في هذا الحي من المعمورة تَلوح بالأفق بحرب جديدة؟ فلا بد من تهيئ التربة الخصبة لدوّامة اندهاشاتنا الساذجة اللامنتهية؟
      لا أؤمن بعفويّة الأحداث و لا بعفويّة التحرّكات و فوق كل ذاك لا أؤمن ببراءة السياسة.

فارس غرايبة

Wednesday, 12 January 2011

سهل البركان


      قليلة هي الأشياء التي باتت تسعدني، أتوجس من كل خبر و كل صورة، اقلب الأصوات باحثا عن الطعن المخفي من وراء الظلال القاتمة و الأيام القادمة، ماذا يضمر لنا الغد بطلّته الرهيبة؟
      بالأمس كانت تونس خضراء و اليوم كأنما خضبها لون علمها حمراء، و مصر أصبحت كأنها لا تنام ليلها إلا مرتجة كطفل اعتاد هز أمه لسريره في ليلة شتاء، و الجزائر كأنه ريشة قذفها طائر بالهواء، و السودان أصبح سودانان للغرب رياء.
      أيعقل أن أرضا كانت تطعم الرومان يبات احد بها جوعان؟ نعم حوران، سهل البركان. و يعقل أن ساكن النيل ظمآن؟ للحق عطشان؟ مستحيل أن ابن بطل صنديد مغوار يكون جبان؟
      سحقا لهذا الزمان.
      كأننا في قارب بلا شراع و لا دفة و لا ربان، في قعره خرقان، احدها هناك إلى الغرب منا و آخر إلى الغرب من إيران، لوحة رسمت بدم طفل أبدعها شيطان، بريشة من جناح هدهد سليمان.
      سحقا لهذا الزمان.


فارس غرايبة 

Sunday, 2 January 2011

انتشار الشيطان


      ما الذي حل بنا؟ هل تملّكَنا الشيطان أم نحن من دعاه لتملُّكنا؟ هل وَهِنّا حتى أصبحت عقولنا لقمة سائغة سهلة؟ أم انه فعلا يأتي بألف لبوس و لبوس؟
      تركب سيارة أجرة، يكون المذياع على محطة تبث الأدعية و المواعظ، و بعد لحظات يباغتك السائق بهمزة و لمزة عن فتاة تسير على الرصيف، لا ادري هل هو ما سمع شيء مما كان يصدح به المذياع، أم لم يفهمه، أم أنها صرعة هذا الزمن و أصبحت مجرد زينة شكلية يتمنطقها كل من يشاء؟
      نسير بالطرق و كأننا بحرب ضروس نزاحم حتى أنفسنا، نشك بكل ما حولنا حتى شككنا بغاية الابتسامة، لا نثق بكل ما حولنا حتى ما عدنا نثق بالطبيعة و الفطرة.
      نقتل، نعم نقتل كل ما يخالفنا، نقتل بالدم أو بالكلام أو حتى بالنظرة، و الأدهى من كل هذا و ذاك يأتينا من يبرر هذا عنوة جزافا سرا و علانية.
      هل هذا جنون أم مس شياطين؟ أين ذهب المتعقلون؟ أذهبوا ضحية؟ أم خضعوا و استكانوا لهذا الزخم العارم من الجنون؟ أم جمدتهم و سلبت أدمغتهم الشياطين؟
      أُمّ تستبح أرواح أبنائها و أب يستبح عذرية ابنته و تعينه أمّها، و أحداث شر يعجز اللسان عن وصفها، تشمئز لتصورها الأبدان، كلها تبدأ حينما نستهين القدح و الذم و القذف، كلها تبدأ حينما نطلق الأحكام عنوة و جزافا، كلها تبدأ حينما ننصب أنفسنا بمنزلة ليس لأي من البشر حتى حق الاقتراب منها بأي زمان.    

فارس غرايبة

Thursday, 30 December 2010

عيّدت


      في الهزيع الأخير من عام آخر ينصرم، و كثير يحذوهم أمل في العام الجديد أن يكون خير من سابقه، أو اضعف الأماني أن لا يكون بالسوء نفسه، و الواقعيون منا يرجون أن لا يكون أسوأ، أما أنا فأتمنى أن يحل علينا الإلهام و نتحرر من بعض العبارات و الصور النمطية المتكررة، عفوا فقد مللت التكرار.
      منذ أن بدأت أسمع و أدرك، فالصورة هي هي ما تغير بها إلا هندام أبطالها، فليلة رأس السنة منذ أن وعيت الصور فهي ذاتها، بعض من المبتسمين بوعي أو بدون وعي يرتدون طرابيش مخروطية ملونة بزهو كالتي يعتمرها الأسطورة جحا، و بعض يصدرون ضجيجا بصفارات مزعجة إلا بتلك الليلة، و آناء منتصف الليل تزدحم كل الشوارع، صدقا لا أدري من أين تأتي كل تلك المركبات، و أحتار من أين يأتي راكبوها، و إن كان كل هؤلاء يجوبون الشوارع من إذا بالحفلات؟ 
      تلك الليلة يطل علينا صاحب الإلهام الخارق المخياط، و صاحبة السر الدفين شوربة سعيدة، يمطرونا بوابل من التنبؤات بثقة فجة، فينبئنا الأول بزلزال يضرب الأردن، زلزال سياسي و ارضي، و إصابة احد رموز السلطة بأنفلونزا البطاطا مما يؤدي إلى تدهور سعر صرف الدينار و ارتفاع نسبة البطالة، أما عالميا فموت احد الرؤساء العرب و استلام ابنه السلطة من بعده، و كأن هذا الأمر يحتاج إلى تنجيم، و الثانية تأتي بالتفصيل، أما برج الثور فيتأثر في الربع الأول من العام بكوكب جوبتور كونه تور، و يستمر التأثير حتى الساعة الرابعة و خمس دقائق من اليوم الرابع من شهر نيسان / ابريل، إذ ينتقل جوبيتور إلى مدار الحمار، أما من الناحية العاطفية فالفرصة قوية جدا لبدء علاقة ابتداء من الحادي عشر من شهر حزيران / يونيو، تنتهي هذه العلاقة إما بالانهيار بسبب الإفلاس أو ذهاب الفتاة ضحية جريمة شرف.
      و على مدار العام، العبارات نفسها، فبعد رأس السنة بأسبوع تقريبا تمطر السماء، فيباغتنا السيد المسئول باستنتاج نابع عن دراسات معمقة و مستفيضة إذ يفيدنا بان هذه الأمطار، أمطار الخير، تبشر بموسم زراعي جيد، و كأن هناك أمطار لا تبشر بموسم زراعي جيدّ!! و تداهم السيول الحارس بُرعي في سرداب عمارة في الصويفية، و تحاصر السيول عقلة و أغنامه في البادية الشمالية الجنوبية من البادية الشرقية، و هناك دائما من يتصل شاكيا عن تجمع المياه بشارع الشماتة لان جاره اللحام أغلق فتحات قناة التصريف بكيس بلاستيكي اسود (كيس زبالة) لمنع الفئران.
      في بداية الصيف يصرح عضو سابق بالبرلمان الهولندي بعبارة مسيئة عن قطر و استضافتها لكأس العالم، فتجتاح الأمة موجة عارمة من حملات المقاطعة للبقر الهولندي، و كل منتجات الألبان و لحوم البقر، و يستفز وزير سابق بالحكومة الإسرائيلية بتصريحاته حول قناة السويس، و يخرج وزير الخارجية الفرنسي عن صمته و يعلن أن قناة السويس مسجلة كعلامة و براءة اختراع لديليسبس، و مهما حلقت طائرات معادية في أجواء دولة شقيقة فإن تلك الدولة تحتفظ بحق الرد بالوقت و الطريقة المناسبة، أما هنا فيبدأ أبو محجوب بصوت زهير النوباني بوصاياه عن كيفية المحافظة على المياه، و تستمر أمانة عمان بزراعة كل ما يحتاج إلى كميات جارفة من المياه يوميا لتجميل جنبات الطرق، و كأن من يطوف الشوارع يمكنه أن ينظر إلى شيء سوى الشارع ليتابع أخبار المطبات و اكتشافها و تفادي رعونة الآخرين.
      أما نهاية العالم، فاذكر و بصورة ضبابية شيء عن (سكاي لاب) و أين سيسقط و مذنب هالي و زحف جليدي و انحسار جليدي، و تشيرنوبل و مفاعل ديمونا، و الآن المايا لم يستطيعوا التنبؤ بغزو الأسبان و لا اندثار حضارتهم، إلا أنهم استطاعوا التنبؤ بنهاية العالم، حتى أن المايا أنفسهم و حسب معتقدهم لا يوجد ما يسمى نهاية العالم إذ أنهم يعتقدون بانتقال العالم من حقبة إلى حقبة أخرى، بضم الهمزة أو فتحها.
      في الختام اكرر أمنيتي بأن يأتي علينا العام الجديد و يحل علينا الإلهام و نتحرر من التكرار بالعبارات و التصورات، و أتمنى لكم جميعا عاما جديدا كليا، و كل عام و انتم بخير.

فارس غرايبة

Sunday, 26 December 2010

سخرية الألم


      اعتاد مسكين على زيارتي بين الفينة و الأخرى، يحدثني عن أحواله، رغم أني لا ارغب بالحديث عن علاقتي به إلا و للتوضيح فقط، فقد دأبت على مساعدته بما أستطيع.
      أحمد لطيم ما عرف أبويه، إذ تربى و أختاه في ملجأ الأيتام حتى بلغ سن مغادرة المكان، فسعى أن ترافقه أختاه في الحياة خارجا، و كان كما أراد، و ذهب و استأجر سكن لهم جميعا كان عبارة عن غرفة متهالكة، عمل جاهدا لتجميع بعض قطع الخشب و الصفيح من الجوار ليسد فتحة كانت اعتبرت باب تلك الغرفة التي بالكاد تصلح للعيش الآدمي.
      كان بالملجأ لا يعبأ بمتطلبات العيش البسيطة، من طعام و بعض لباس، أما الآن فهو يحتاج لإيجار و طعام و وقود للطبخ و التدفئة، حار أحمد الذي ما تأهل يوما لأي عمل، فما كان أمامه إلا العمل كبائع على بسطة متواضعة في أي مكان، و بنفس الوقت كان يحصل على أربعين دينار معونة من الشؤون الاجتماعية، بعد أن تمكن بعد عناء من شراء بعض ما يعرضه على بسطته ليبيعه، صدم بمصيبة جديدة كانت بمقدارها مصيبة المصائب له، رسوم ترخيص البسطة، و البالغة لسخرية الألم أربعون دينار كذلك، فهاهو أحمد ينتظر الشهر التالي ليستلم المعونة التي سيعاود دفعها ترخيصا لبسطة الحياة، و انتظر الشهرين دون أي دخل فالشهر الأول اشترى البضاعة و الشهر التالي ليدفع الرسوم، و يعلم الله كيف عاش هو و أختاه تلك الأشهر، و كان كما خطط فاستلم المعونة و دفع الرسم و افتتح أحمد بسطة الحياة، كله أمل و طموح، كيف لا و هو يحلم منذ شهرين بمشروعه الذي ما وجد سبيلا لغيره.
      بعد مدة تعرض أحمد لمشاكل صحية إذ شخصت حالته بمرض بالقلب، و ما كان أمامه إلا أن تعطل عن بسطته التي كان ليؤمنها يوثق ربطها بجنزير من الحديد و قفل بأحد محال الخضار القريبة كلما أقفل عائدا إلى بيته، و لغيابه بسبب المرض جاء أحدهم ليلا و سرق بسطته التي كانت عبارة عن عربة خشبية تسير على ثلاثة عجلات، و فوق علته المسكين ألمت به مصيبة فقدانه لمصدر رزقه الوحيد، وعاد أحمد إلى ما دون الصفر.
      عاود و بإصرار المستميت، كيف لا فالموت جوعا و الضياع مآله دون ذاك، و وفر من معونته لشهر واحد هذه المرة إذ كانت لديه البضاعة و الترخيص إلا انه لملم شتاته ليؤمن ثمن العربة الجديدة، و بدأ أحمد من جديد.
      مرت سنين و سنين و كبر أحمد، في تلك الأثناء كان قد تعرف علي، و أتاني يوما يعلمني برغبته بالزواج، إذ أن إحدى أختيه كانت قد تزوجت و بقي هو و أخته الصغرى، و أعلمني أن هناك فتاة تحدث مع والديها خاطبا فأجابوه قبولا، فباركت له و هنأته، و تزوج أحمد بعد فترة قصيرة من حديثي معه من تلك الفتاة.
      مضت اشهر حتى عاد لزيارتي، هذه المرة كان أحمد يكاد يطير فرحا، فدخل إلى مكتبي مغتبطا و يبكي فرحا، و بصوت عال و ببساطته المعهودة صاح أحمد: باركلي، فباركت له مستفهما عن الأمر، فأجابني أحمد: الله الله يطول عمره يا ربي. استفسرت: مَن و ما الموضوع يا أحمد؟ فأجاب: الملك ..... الله يا ربي ..... أنا بحبه، أعطاني بيت، بيت فيه أكثر من غرفة حتى فيه حمام داخل البيت، و الله يا ربي يطول عمره. و اخرج أحمد مفتاح البيت من جيبه و أوراق ملكيته، و طلب مني صورة للملك ليعلقها على الحائط بالبيت.
      بعد فترة أتاني مغتما متألما مهموما و شعرت بحسرة في ملامحه، حدثني عن الخطب إذ أن أخته المتزوجة تطلب الطلاق، لأمر استحلفني كتمانه فما أستطيع أن أقول إلا انه أمر لا يطاق اشمأزت له نفسي و اقشعر لوصفه الأحداث بدني، و كأن الفرحة تهرب من أحمد، أو أن بينه و بينها عداوة أو أنهما ضدان لا يتفقا.
      مرت فترة حتى عاود زيارتي، و في هذه المرة فرحة خوف تعتري وجه أحمد، و بصوت خجول كمن اقترف الذنب اللذيذ، و بصوت منخفض أعلمني أن زوجته حامل، و علت وجنتاه حمرة خجلة و ارتسمت على فيه ابتسامة منتصر، كان هذه المرة يحدثني و في أنفاسه نضوج غريب، و فيض من رجولة استمدها من إثباتات حسية ملموسة واقعية لا مجال للشك بعدها فها هي زوجته حامل، يعلم الله كم عانى المسكين الهمز و اللمز لتأخره بإتمام هذه المهمة و كم شكك من حوله بقدرته.
      في آخر زيارة، دخل أحمد علي و هو أب، أناظره و هو يصف طفلته، أحاطته فرحة لم استطع لملمتها، و حارت كلماتي لتصويرها، كلما تحدث عن (منى) قفزت من عينيه دمعة فرحة تراقصت على خديه، يحدثني و يتساءل هل سأراها تتكلم؟ أو تقرأ؟ يا الله لو أني أعيش حتى أراها عروس، أكيد إذا أنا مت فأمها ستكون موجودة لأنها اصغر مني سنا. كان و كأنه يعدد كل ما حرم منه و تمناه لابنته، فما كان احد من أبويه حينما تكلم أول كلماته، و ما قرأ لأحد يوما، و تزوج وحيدا. و طغت فرحته على خبر فقدانه عربته مرة أخرى، إذ انشغل عنها و غاب مرة أخرى ليتابع أمر صحي الم بابنته الرضيعة فقد أصابها التهاب السحايا، لكن هذه المرة كان يتحدث و كأن كل ذاك غير مهم لا العربة المسروقة و لا الالتهاب و لا صورة الأشعة المطلوبة للتأكد من خلع الولادة، كان كل ذاك ليس بذي شأن عند أحمد هذه المرة، و كأنه مخمور أو منتش لفرط الغبطة في قلبه.
      خرج من مكتبي، جلست انظر الطريق و الجسر القريب، أناس أثقلت كواهلهم هموم جمة، بعضها بسيط و غيرها معقد و ثقيل، اختلطت علي المعاني، فمنهم من يعاني قلقا مزمنا و آخر يفرحه ابسط البسيط، هل للترف يد في اضمحلال ما يفرحنا إذ أصبحت الأمور البسيطة التي يكد غيرنا لينالها ليست ذات شأن بحياتنا فما عادت تفرحنا؟ هل الحاجة تولد الفرحة و تبسطها فبذلك تكثر أسبابها؟ 


فارس غرايبة

Saturday, 11 December 2010

رأس المجلس حيث أجلس


      أصر أبوه أن يسميه عوض ( عوظ ) على اسم جده، و امتعضت أمه نفيسة ( ناني ) و حاولت جاهدة أن تقنع أبو عوظ بان الاسم ما عاد من الأسماء الدارجة، و اقترحت أسماء كثيرة إلا أن الأب أصر و ألح، و على ما عزم الأمر نفذ و سجل الوليد باسم عوظ، رغم أن ناني هي ابنة عم أبو عوظ إلا أنها لم يعجبها الاسم أبدا.
      كبـر عوظ و ترعـرع على انفصـام شخصيـة و تنازعـت أفكاره بيـن نانـي و أبي عوظ، إذ كانـا بأفكارهمـا نقيضـان، فأبي عوظ أراد حياة كما ألفها ببيت أبيه و على ما كان عليه طول عمره، أما الأم ناني فما انفكت ترفض كل ما كان، فهي تنزع إلى الانسلاخ ولو شكلا عن ما كانت هي و كل من حولها عليه ببيت أبيها خلف، فحينما تذهب للسوق تحاول جاهدة ألّا يكون زوجها معها لأنه بـيـفـضـحـنـي ( بيفدحني ) وين ما كنت، ففي يوم اشترت ( بوفيه ) للصحون لتضعه بغرفة السفرة، و حينما عادت بما اشترت أصر أبو عوظ أن نفيسة اشترت نملية لتضع بها المواعين، و ناني يثار جنونها و طوال الليل تناقش أبو عوظ أن هذه بوفيه و بها طقم ( تئم ) صحون، إلا أن ذاك ما غير بأبي عوظ أي شيء فبقيت النملية تحتوي المواعين.
      دخل عوظ المدرسة، فاشترطت ناني على أبي عوظ أن يشتري لها سيارة كي لا يضطر عوظ للذهاب بصحبة أبيه إلى المدرسة و يختلط بمن تعرفهم هناك، فما كان من أبي عوظ و لكي ينهي طنين النحل ليلا نهارا برأسه أن يشتري سيارة لناني، و باتت ناني توصل عوظ الذي أفهمته أن اسمه (أود) و ليس عوظ كما اعتاد بالبيت، في احد الأيام اخذ عوظ و من بعيد ينادي يُمّاااااااااا فاحمر و ازرق وجه ناني و أسرعت لعوظ و أسكتته، و سرت بأذنه يا أود هون بتناديني مامي إياك أن تناديني يُمّا أبدا، فما كان من عوظ إلا أن انصاع لطلب أمه التي تحولت من يُمّا الى مامي، و في يوم اجتمع به أهالي الطلاب جاء عوظ و بصوته المرتفع نادى مامي مامي، أبوي ليه ما أجا هاظ اسمه مكتوب عالبطاقة؟ فابتسمت ناني ابتسامة المنحرج و التفتت لتتأكد إن سمع احد ما نطق به عوظ، و بقيت ناني تتقمص شخصيتها المغلفة فكلما سمعت عن ماركة حذاء أو رداء جديد إلا و كانت أول من يشتريه، و هي بسذاجتها تظن أن القشور تغير الجوهر.
      استمرت ناني بأسلوبها أياما و اشهر، حتى انقضى العام و أتى آخر، لكن هذا العام الجديد قدم و في جعبته مفاجأة، و هي أن ابن عم ناني الثاني قد ادخل ابنه نفس المدرسة، مدرسة عوظ، و يا ويلك يا ناني فها قد أتى من يعرف البئر و غطاه، و منذ أن عرفت ناني بذلك ما نامت أبدا فبقي يؤرقها الأمر، ليس أمر ابن عمها بل أمرها هي، التي توهمته و خلقته لنفسها و هي لا تدري أن ما من احد يلتفت لتصنعها و تلونها إلا من كان على شاكلتها منسلخا منفصما يعاني أمراض الوهم و عصفات السخف السرمدي، و في اليوم التالي خرجت ناني على أبي عوظ بفكرة قد تنقذها من إستيهامها، و أفضت لأبي عوظ عن رغبتها بنقل ابنهما من هذه المدرسة، حار أبو عوظ و استهجن فاستفهم لماذا باستغراب!! طالبا أن تعلمه بالسبب، فأجابته عن السبب الصحيح من دخول ابن عمهما تلك المدرسة و ما قد ينتج من فضح أمرها، نظر أبو عوظ مستعجبا ورد، يا نفيسة كل تصرفاتك هذه عرفتها منذ زمن و ما أعجبتني يوما، و سكتّ على مضض علك تفهمين، إلا انك أمعنت و واصلت بتمثيليتك الوضيعة، يا بنت الناس ما عاب أباك يوما نطق لسانه، و ما كانت أمك يوما إلا فاضلة بتصرفاتها لا بلكنتها، اسمعي يا نفيسة عوظ ابني و لن يكون يوما إلا ابني المعروف من هو أبوه و من هم أهله و إن كان هناك ما يعيبنا سيعيبه، و ما يوم عاب الإنسان لكنة أو لون أو شكل، أنت معنا إن أردت أما إن كان أصلك يحرجك فلا اقبل تغيير أصلي و لك الخيار إما أن تبقي أو تنسلخي.   
      كبر عوظ مثقلا برواسب طفولته، فكانت حياته خليط متأرجح بين النانية و العوظية، فبليال تقرأ له أمه (أسه) عن أليس و سندريلا و ليال أخرى يحدثه أبوه عن قصة حديدون و نص انصيص،  و عاش في حيرة إرضاء كل من الفريقين، فكل تصرف يحسب عواقبه تبعا للمذهبين و ليس لصحة التصرف من عدمه، و ما تجاوز يوم بحياته اضطرابات قراراته حتى البسيطة منها.

فارس غرايبة

Sunday, 5 December 2010

الضاد


      يجافي النوم جنبات من خانته فصاحة لسانه في التعبير عن مكنونات خلجات لبه لركاكة في لغته، ليس نقصا في مفردات تزخر بها لغته بل تنصل في الغابر من الأيام و توغل في إتباع الهوى و سعي وراء مظهر امتد على مر الدهر، فكان يتبجح و يتمجح كل من تلعثم بلسان القوي من الأمم، فقبل هذا الزمان سادت لغة الترك فكان يتحدث بها علية القوم فيما بينهم، و في يومنا هذا يتملق الخاصة و العامة سادة هذا الزمان و ينطقون بلغتهم كمن يلسّ مضغة في فيه.
      لا ضير في تعلم ألسن الخلق كافة، لا بل مما حمد و اثني على مبدعه، أما أن يصير نطقك بالعربية تعبيرا و معاملة نقيصة، فهذا كفران لا ممدوح، و منهم من يحاججك بأنها لغة لا تزخر بمفردات كافية للتعبير عن ما آل إليه علم هذا العصر، أقول لا أنت في خسر بل إنها لغة ما يشوبها أي معيب بل ما يعيبها ملسنيها من أبنائنا، فهي تزخر بتعابير عز نظيرها إن كان بالأدب أو الثقافة أو العلم، فمن منكم ينبغ بمعنى كلمة طرب إذ أن المغنى بهذه الأيام مبلغ الإرب؟ و أي من الألسنة نضح ظمأ الشعراء كما العربية؟
      و قبل كل هذا و ذاك، أي لغة مما تفقهون نزل بها ذكر من الله و كتاب محفوظ بأمر رب العزة؟ فإن غرب الزمان و طال، فاندثرت أمم و تبلبلت ألسن البشر، لساني محفوظ ما بقي الزمن و طال أمد الدهر.

فارس غرايبة

Thursday, 25 November 2010

كم كان جميل ذاك الزمان


      و هكذا ينقضي يوم تختزنه الذاكرة، نبتعد عن البراءة يوم، و نقترب من الموت يوم، بالأمس كان هذا الصوت الجميل للموسيقى الذي يصدر عن مركبة، لكن ليست كهذه المركبة التي تبيع اسطوانات الغاز، بل مركبة تبيع المثلجات اللذيذة، بألوانها الزاهية، و بأسعارها التي ندر من يعجز عن إسعاد ولده بشرائها ببضع قروش، أين ذهبت تلك النغمات السعيدة؟ هل خنقتها زحمة الزمان أم لم نعد نراها من وراء الدخان؟
      سئمت الأيام من الزحام، بسيطة تلك الأيام، مليئة بالضحكات و قلة الأرقام، كان الهاتف بالدكان و في بيت أو اثنين، أما اليوم فالطفل يحمل هاتف أو هاتفين، و لزيادة الهم مرتين أصبح يظهر رقم المتصل حتى بعد أن تنام، حتى إن أغلقته يبعث لك رسالة تنبهك باتصال فلان و فلان، مكتظة هذه الأيام.
      كان للشتاء أصوات و أنغام، و ذاك المزراب المعدني الصدئ يعزف أجمل الألحان، نبات الليل ندعو المنان أن نصبح على يوم ابيض لكي لا نذهب إلى المدرسة فبالغد امتحان، كم اشتقت لتلك الألحان التي خنقتها النوافذ الحديثة المعزولة بإحكام، و كأنما غضبت تلك الألحان فما من مستمع أو طربان فما عاد المطر يفرحنا لا بنزوله ولا بأي نغمات أو الحان.
      كم كان جميل ذاك الزمان، كنا نسير في أي مكان بأمان، أما اليوم فأخاف على نفسي و ولدي من أي إنسان، فياليت نعيد النظر بكلمة إنسان فما من أُنس بعد مثلما كان.

فارس غرايبة

Saturday, 13 November 2010

المستدفنون في الأرض


      بقصد أو بدون قصد، بمعرفة و ترتيب أو بجهل و استجهال، أصبحنا دون الدون من بين الشعوب، أصبحت كعربي تستجدي من كل الأمم معونة أو نظرة عطف، حتى لم يبقى بقعة على سطح الأرض إلا و تحتاج تأشيرة لدخولها، و تقف بمهانة في طوابير على أبواب السفارات تستجدي القبول، و كأنك دون الشعوب أو حتى لم تصنف كإنسان، لم يبق مكان إلا و ترانا نسعى للهجرة إليه شرقا و غربا.
      إذا ما تصفحت المواقع الالكترونية، تجد إعلانات باللغة العربية محصورة في ثلاثة مواضيع، أولها إعلانات عن صفحات الدردشة و التعارف البريء و غير البريء، ثانيها إعلانات عن تسهيلات الهجرة إلى كل أصقاع المعمورة، و ثالثها إعلانات الأبراج و ما تخبرك به عن أشكال حظك البائس و عن المصيبة الآتية إليك.
      أما الفضائيات، إن كنت تبحث عن برامج في المحطات العربية، فلا تجد إلا شيئين، و كأنما حكم عليك انك لن تستوعب إلا واحد منهما، فإما أغان و راقصات، كلها مصورة لمغن يغني بالعربية اهزل الشعر و أسقطه بلغة ركيكة، يركب مركبة فارهة لا تجد مثيلتها بمعظم دولنا العربية، أو بجانبه فتاة نادرة الجمال، عبث بها مشرط جراح التجميل أعوام و أعوام حتى هي نفسها نسيت ما كانت عليه صورتها، و كأن حتى أحلامنا انحصرت بالمركبات و الفتيات و للأسف هذا واقع و صحيح. و إما المئات من المحطات تكتظ بالشيوخ بكل لون و فكر، و تستشعر الحرب الضروس بين نوابغ التحليل و التحريم تنفيرا و ترهيبا، و جل نقاشاتهم تنحصر برد على الشيخ الآخر و نفي لما نقلوه عنه في المحطة تلك، و نقاشات عن كيفية رفع الأذان حتى أن الناس ما عادوا يعرفون لم يُرفع الأذان، فما لي و كيفية الأذان أليس الأجدر أن تحبب الناس بالصلاة أولا، كم جميل لو أن احدهم استبدل شعارات النار و دخولها، بالجنة و عدم دخولها، فمن أدرك سيفهم انه إن لم يكن في الجنة فسيكون في النار، لأنهما اثنان لا ثالث لهما، فإن كلمة ليس صادق مقبولة بينما كاذب منفرة و مغضبة.
      أما أخبارنا فتزخر بالمصائب من كل حدب و صوب، فلا تسمع عن أي حروب إلا في بلادنا، و ما تسمع عن تعسف و قهر يقع على غير أبنائنا، فيخرج لك من يحاورك بأننا مستهدفون، و كأن بقي أحد من الغباء ليستهدفنا، فما الداعي فهناك منا من توكل باستهدافنا ليل نهار، و كل مصيبة لا تأتي إلا من الخارج فذاك أصبح ذريعة لكل فشل و تقهقر نجنيه على أنفسنا.
      استحقرتنا كل الأمم، حتى كل ما يُنتج لنا في هذه المنطقة يُصنّع بمواصفات أدنى من أي مواصفة، من المنظفات إلى الكهربائيات و المركبات، حتى بطارية الحاسوب المحمول فهي لا تعمر كالتي تُصنع لهم، و أكاد اجزم أننا في تصنيف المواصفات لسنا حتى بالدرجة الثالثة لا بل دون ذاك بكثير، ناهيك عن التكلفة، فكيف يعقل أن ارزح تحت وطأة هذا الكم من الضرائب و بدخل دون مستوى الإنسانية أن تكلفني سلع الحياة الأساسية أضعاف ما يتكلفها أي شخص يعيش في تلك الدنيا؟  
      أمّا المعرفة، فكأنها من كوكب آخر، تسقط علينا كسفا من السماء، غريبة عنا بكل أشكالها، حتى مناهج تدريس أطفالنا نستوردها، و نبسطها تبسيطا لدرجة أننا نسلخ كل مفيد بها، و المؤسف إننا سلخنا عنها ما يخصنا و استثنينا كل ما يعزز بقايا ثقافة تمسك البعض بها، فما وجدت بكتاب ابني أي ذكر لفلسطين، لا بكتاب اللغة العربية و لا بكتاب الجغرافيا، فاستذكرت جمال كتابي في المدرسة، نعم كان مستهلك لأننا كنا نتوارث الكتب من الصفوف التي سبقتنا، نعم كان بلا غلاف رغم كل ذلك كان جميلا، كنت اقرأ فلسطين داري و درب انتصاري، و بحثت في المنهج المستحدث لا الحديث فما وجدت إلا عن آداب المرور و نظافة الأسنان.
      هل هناك من احد يصحُ معي؟ أم أننا لن نصحوا إلا على أصوات عويل الثكلى و صراخ المقهورين، أننتظر الويلات لينبهنا الألم، ماذا لو لم نصحوا؟ أهو سبات أزلي أم هناك من بوق نفير؟ أم أنها محاولات توأد باكرا فيبات صراخها كالنعيق؟ أم أن أبواق الجهلة ستعتبره مجرد نقيق ضفادع يحيا مع موسم الإخصاب لوهلة سرعان ما يزول؟  

فارس غرايبة

لا تقتلوا الشمس


      أين ضوء الصباح؟ هل قتلتم الشمس؟ أم أنها غضبت إذ أردتم أن تطفئوا نور حقها؟ ماذا إن حقا لم تأت؟ هل تستطيعون حياة صباح بلا دفء نورها؟ أمنكم من أوغل في التكبّر حتى ظن ذلك، لكنه لن يكمل أي صباح، أم منكم من اعتاد ظلمة الليل؟ و اخترق الظلام فؤاده حتى اسودت أيامه و باتت كالليل البهيم لا يرى إلا ما يريد فيسلط عليه ضوء مصباحه، فلا يرى إلا بما يأذن له نور ذاك المصباح الباهت الضعيف.
      ان أردت أن تطفئ نور الشمس لا تقتلها بل عش ليلك لوحدك فانا أحب نور الشمس لأرى الحق و ليدفئ قلبي فأبصر الحقيقة، ظالم نفسه من عاش في ظلمة و ظن أن الظلمة تستر عيوب فكره المريض، أو انه بالظلمة لا يرى سواه فيعيش في ظلمات الأنا و عجرفة الانطواء، حسرتي على كل من حرم نفسه دفء الحقيقة.
      كم هو مؤلم أن تعيش مجتهدا بالخير و العطاء دون إكراه أو منة، و يقابلك اقرب الناس إليك بالنكران و الاستخفاف، هل غشيت عيونكم ظلمة الكبر أم ظننتم أن احترامي لكم من ضعف؟ كلا، لن تذهبوا بي إلى سواد ظلماتكم كلا، كلا لن ابكي ظلمكم بل سأبكي تيه روحكم في ظلمة الحقد الدفين في نفوسكم الضائعة في ضوء المصباح البائس، أمّا أنا فسأبقى احتفي كل صباح بدفء نور الشمس و انظر فأرى كل حق حتى و إن غاب بالليل أبات على يقين أني على موعد مع ذاك الحق كل صباح.

فارس غرايبة

Wednesday, 10 November 2010

مهرجان انتخابي


      عوني و محمود شيخان يعيشان في بلدة حياة متواضعة، ما مر بحياتهما يوم إلا و التقيا به، عوني ضعيف السمع و يعتمد على محمود بإعادة كل ما لم يسمع بصوت عال، و محمود نظره ضعيف و كأن عوني هو عينه التي يرى بها.
      وصلت ذاك اليوم بطاقة دعوة لمحمود لكن نظره لم يسعفه ليعرف محتواها، فما كان منه إلا أن ذهب إلى صديقه عوني ليقرأ له محتوى البطاقة.


      محمود: يا عوني .... عوني.
      عوني: ها يا محمود مالك؟
      محمود: شوف شو هالبطاقة؟ ما عارف اقرأها، اقرالي؟
      عوني: بطاقة دعوة لمهرجان انتخابي يا محمود، بدك اتروح؟
      محمود: يا جهد البلا.... وين انشالله بدها سيارة؟
      عوني: لا هون قريب مشي بتوصل.
      محمود: اذا بتروح معي بروح.
      عوني: طيب بروح مشانك، بس مهرجان شو في يعني بكون؟
      محمود: اول مرة بيمر علي، انا باسمع عن مهرجان جرش، بس انتخابي!! اول مرة بسمع فيه.
      
      و على ذلك عزما الأمر أن يذهبا ليتعرفا على ما هو ذاك الشيء، و في الموعد ذهبا سيرا إلى ذاك المكان، و صدفا بطريقهما جموع من المدعوين ممن عرفوهم و ممن لم يعرفوهم، و ساقتهما الطريق إلى ذاك الصيوان الكبير الذي ترى الأضواء حوله من على أول الطريق، دخل عوني و محمود المكان مندهشين الأول مما سمع و الآخر مما رأى، و جلسا.

      عوني: ا ش ا ش اش .... شي فخيم يا محمود و الله كانه وزير بده يجي.
      محمود: سامع سامع يا عوني، لا مش وزير هذا مرشح للانتخابات، سمعت زيد الهامل بقول انه مشان مرشح الانتخابات.
      عوني: و الله اشي منتاز، مين المرشح؟
      محمود: ما عرفت، بس شكله ناجح لانه برضه زيد قال انه في كنافة.
      عوني: و الله كنافة، منتاز منتاز.

      و بعد دقائق دخل المرشح المكان فقام الجميع بالتصفيق و التصفير و منهم من هلل و رحب.

      محمود: شو في مالهم بصيحو و بزقفو؟ اجت الكنافة؟
      عوني: ماني عارف، مش عارف اشوف ما كلهم وقفوا و ما قادر اشوف شو في!!

      التفت اليهما شاب بجانبهما و اعلمهما ان المرشح صاحب الحفل قد وصل.

      عوني: لا يا محمود مش الكنافة، اللي اجا المرشح.
      محمود: يعني ما فيش كنافة؟
      عوني: اصبر يا اخي شوي بلكي اجت الكنافة بجوز يوزعوا اشيا ثانية اصبر ان الله مع الصابرين.
      محمود: لا اله الا الله، ع الله اتكون خشنة.
      عوني: يعني فارقة معك خشنة و الا ناعمة؟
      محمود: لا و الله بس يعني الواحد بتمنى.

      بعد لحظات بدأت الخطابات و الاشعار و الاغاني الحماسية، و محمود و عوني يصبران نفسيهما.

      عوني: شو بيقول اللي بسولف؟
      محمود: حكي زي التلفزيون بالاخبار و الله ما ني فاهم شي.
      عوني: طيب قال اشي عن الكنافة؟
      محمود: لا بعده و لا جاب سيرة.
      عوني: بالك فلم و اكلناه، يا خوفي طرقنا المشوار ع الفاضي و شوي بنروح متعشيين خطبة و متحليين قصيدة.

      و ما ان انتهت الخطب العصماء و الاشعار، و إذ بالكنافة تدخل من طرف الصيوان.

      عوني مبتسما: مش قلتلك ؟ هاي لكنافة اجت.
      محمود: ها و الله؟ خشنة؟
      عوني: بعيدة بعدها، ما شفت.
      محمود: انا سامعهم بقولوا خشنة كيف انت مش شايف، و انا امفكرك زرقاء الحمامة.
      عوني: اسمها زرقاء اليمامة.
      محمود: ها كنافة ناعمة؟
      عوني: يا زلمة اسكت فظحتنا.
      محمود: اللهم طولك يا روح.

      وصل الدور إليهما بالكنافة، و أكلا حصتهما و غادر الجمع وحدانا و زرافات و من ضمنهم عوني و محمود.
و في طريقهما مقفلان إلى بيتيهما.

      محمود: شو اسمه؟
      عوني: الوادي الاحمر.
      محمود: وادي شو يا عوني بقول شو اسمه؟
      عوني: النجمة او لبيبة.
      محمود: يا زلمة شو بتخبص، بقولك شو اسم المرشح؟
      عوني: ها المرشح..... ايه ايه و الله ما عرفت، يالله بس الكنافة طيبه.
      محمود: اه بس لو زايدين القطر شوي، ول عليهم ما ابخلهم، نقطة قطر ما حطو عليها.
      عوني: شايف شايف.
      محمود: لا مش شايف ما انت عارف اني بشوفش.
      عوني: يا محمود جيب البطاقة، بلكي عرفنا اسم المرشح.
      محمود: البطاقة معك، انت الي قريتها و تركتها معك.
      عوني: شكلي ناسيها.
      محمود: استنى معي المغلف، بلكي عليه الاسم.
      عوني: هات اشوف، مكتوب على المغلف السيد منير عوني المحمود.
      محمود: مين؟
      عوني: محمود هاي الدعوة مش الك هاي الدعوة لمنير ابن عوني المحمود.
      محمود: يعني مش الي؟
      عوني: لا مش الك، اصلا انت وجه مهرجانات؟
      محمود: ما شا الله عنك تقول البطاقات بتيجيك زيح.
      عوني: ليش هو انت مسجل بالانتخابات؟
      محمود: معيش بطاقة اصلا.
      عوني: طيب طيب، فوت ع دارك هيّك وصلت، تصبح ع خير.
      محمود: و انت من اهل الخير.

فارس غرايبة 

Sunday, 31 October 2010

تعددت المظاهر و التخلف واحد



      تعددت مظاهر تخلف الأمم و اختلفت ظاهرا إلا أن أساسها واحد لا خلاف فيه، فإن أردت أن تعرف مدى انحطاط الأمم بالتخلف تحرى انتشار مظاهره.
      من مظاهر التخلف اهتمام الأفراد بالظاهر دون الباطن و إمعان أفرادها بالعناية بالمحافظة على استمرار و ازدياد تلك المظاهر، و من ذاك تملك كل شيء لا يفيد أو تملك ما علو ثمنه دون معرفة بغايته أو استعمالاته، ففي بلدي لا تركب السيدات إلا مركبات الدفع الرباعي و هي تستعمل لخارج الطرق المعبدة إلا هنا فهي تستعمل لزيادة طول راكبتها رغم أنها تقودها بحذاء الكعب العالي، و نقتني الهواتف الذكية علما أن ذكاء هاتفك النقال لن يمنحك أي نفحة من الذكاء، و نحرص على شراء ملابس شريطة أن يكون شعار صانعها يكاد يطغى على الرداء بأسلوب مقرف لا ينم عن أي ذوق خصوصا ما يطبع بخط كبير على مؤخرة البنطال أو رسمة حمار على صدر لابسه، فضلا عن امتلاك أجهزة تزخر بالتكنولوجيا الحديثة دون معرفة كيفية استخدامها، فيصبح صاحبها كالحمار يحمل أجهزةً، أما الأرقام فنحن امة مهووسة بالأرقام فبدأ برقم لوحة المركبة انتهاء برقم الهاتف علما و لذكائنا الفذ ما عدنا نحفظ الأرقام فكلها محفوظة بذاكرة هواتفنا التي أصبحت اذكى منا.
      و من المظاهر أيضا الحرص الشديد على التشبث بالألقاب، السيد الأستاذ الدكتور المهندس علنتان الفلاني المحترم، هل الهدف معرفة اسمك الذي أسمياك إياه والداك أم أن اعرف سيرة حياتك؟ أم انك تقدم طلب توظيف دائم؟ كانت الناس يعرفون الأسماء و تهاب و تحترم أصحاب الأسماء من سيرتهم فيما بينهم دون ألقاب، فما كان صلاح الدين إلا صلاح الدين و عنترة لم يسمى يوما سعادة السيد عنترة المحترم، و إن كان منكم من اضطلع و لاحظ فإن امتنا بدأت تنحدر بوتيرة تتناسب عكسيا مع ازدياد الألقاب. و للتوضيح فكلما زادت الألقاب انحطت الأمم، فأكثر الخلفاء العباسيين ألقابا آخرهم.
      و من مظاهر التخلف أن يصل الشخص من الصفاقة لدرجة أن يعتقد انه يمتلك شيء يمتلكه غيره في آن، فكلنا نمتلك الشارع و نستبيح حرمات النوافذ و نقطف إزهار الحدائق و نركن المركبة في كل مكان ليس للوقوف و نزرع الأرصفة و نصم الآذان بصوتنا أو ببوق مركبتنا و نزاحم كل بعضنا بعضا إلا على باب المصعد فنخرج كل فنون الكذب فتظهر المقامات و اليمين و نستبيح الأيمان بالله لدعوة من يقف هناك أن يدخل قبلنا و هو مصعد سيصل بكل الركاب بنفس الوقت، إلا أننا حتى بهذه لا نستطيع إلا أن نتخلف، أما في الحافلة أو الشارع أو الموقف أو دور الانتظار فتبا لكل المبادئ، فلتقف العجوز و ليدهس الأطفال و ليُرهب المنتظرون، نعم إن من مظاهر التخلف أن يكون تجاوز القانون و استباحة النظام ترفعا و علو بالمقام.
      تبا لهذا الزمن تبا لهذا الزمن تبا......

فارس غرايبة

Friday, 15 October 2010

هل هناك في السماء؟


      أنظر ليلا إلى السماء، أرى النجوم تتلألأ و الأسئلة في رأسي تلمع، ذاك نجم له بريق غريب، يا ترى امن أحد هناك؟ هل يعيش عليه كائن ما؟ هل يشبهني بشيء؟ أو يشبه أهل ارضي بشيء؟
      لابد أن هناك طفل بات الليلة يبكي جوعه، أو طفل بات سعيد لما وعده أبوه إياه بالغد كذبا كي ينام و ما من شيء بالغد، لا بد أن هناك طفل يبات يبكي فقدان حنان أمه التي هجرته، أو طفل يبكي أن غدا ليس له أب، و هناك يتيم استذكر لمسة يد أمه في ليل حالك و هي تغني بهدوء لينام، طفل يحتضن وسادته يخالها صدر أب حاني كباقي الأطفال، و طفل لا يدري من يبكي غصة في قلبه فهو لطيم.
      لا بد أن هناك أم تنام اليوم ثكلى تشعر بقلبها ينازع الضلوع و تبكي ولدها الذي أودعته قبرا مظلما صباحا، و أم فارقت ولدها طريح فراش لا تدري أستبتسم له غدا، و هناك أم تبات و قد زفت ابنتها لزوجها لا تعلم أسينعّمها بحياتها أم سيظلمها و يقهرها باستعباد، أو زوجة قهرها زوجها بخيانة تكتمها كالسم في الأحشاء خوفا على الأولاد.
      أكيد هناك أب يبات تخنقه غصة فؤاد منفطر لقلة حيلة، و يبكيه حاجته لثمن قلم يطلبه ابنه ليكتب له به عبارة حب و وفاء، و آخر لا يغمض له جفن حائر من أين يأتي بالدواء؟ و ذاك مقهور على ابنته التي جاءته تشكي ضرب زوجها لها صباح مساء، و آخر يسأله ابنه لم أنت لست كباقي الآباء؟
      الهي. رب العزة أحمدك على ما أغدقت علي من جود عطاء، اللهم لا تحرمنا ما أعطيتنا و ابعد عنا البلاء، ربي إعط كل محتاج من أولئك ما يسلي قلبه و يصبر فؤاده و تقبل منا هذا الدعاء.   

فارس غرايبة

Monday, 11 October 2010

تائه في صحراء الاستجهال



      تائه أنا في صحراء مترامية السراب، رملها حتّ من عذاب و مرارة الظلمات، حالك نهارها و ليلها مكفهر السواد، صحراء شيخها يهوى العطب و لا يقرّب إلا الأغبياء، حتى أصبحت مرتعا لكل سفيه متشبث بسفاهات الاستجداء، حذار أن تفكر فملعون منبوذ من بدا عليه أي لمحة ذكاء، حتى إنهم يلعنون كل من بفكرة جاء، و أحيانا يدور حديث أنهم يعطبون أدمغة كل من بدر منه لمحة فكر، و ينعتونه انه ليس بابن الصحراء.

      تائه أنا في تلك الصحراء، عبثوا ببوصلتي حتى أصبح الجنوب غربا و الشرق إلى الوراء، بعد أن خرجت ابحث عن بصيص نور استغله كي اقرأ أحرف الهجاء، إذ هناك ما كان إلا الألف و لم يصلوا بعد إلى الباء، سرت أتحرق شوقا لكل أحرف الهجاء و قدمي تتحرق من رمل الصحراء، حاف أنا مجرد من كل رداء، آسف أنا على جهل من تركت بالبيداء، إستَسرَقَ سمعي صوت حدّاء، انه تاجر يغني إبل محملة بكل ما تشتهي النفس و ماء، نظرني عاريا فرمى إلي بخرقة بالية كي استر البلاء، و بعد أن أسقاني و تنفست الصعداء، سألني أي خطب بك جاء؟ صدقته و أعلمته إني باحث عن ما بعد الألف و الباء، قال إن سرت شمالا حتى تجد ارض حمراء كالحناء، انظر صخرة تحوي مغارة تحسبها صماء، يجلس بها شيخ احترف تركيب أحرف الهجاء.
      بت أحث السير شوقا إلى ذاك المكان بعد الصحراء، وصلت إلى المكان و كأن للأحرف فيه أصداء، وصلت ذاك الشيخ الموصوف بجهبذ من الألف إلى الياء، و إذ به كهل كفيف و في وجهه صفاء، سألني عما ابحث بعد أن طويت الصحراء؟ أجبت بتواضع أريد تعلم أحرف الهجاء، قال تعلم و اكتب ما سأمليه عليك كلمات توارثتها من الحكماء، أنا كفيف لا أرى الخيلاء و لا ما وضع زائري رداء، أنا أصم لا اسمع الألقاب و الأوصاف فكلها عندي سواء، أنا أبكم لا أتحدث بنميمة أو حديث رياء، تشبث بما استكتبتك و لتكن لك دستور حياة فهي خير وجاء.

فارس غرايبة 

Monday, 27 September 2010

بني الحبيب






      سليم بني الحبيب في مثل هذا اليوم قبل سبعة أعوام و في تمام الساعة العاشرة و خمس دقائق مساء أتيت إلى هذه الدنيا، يومها شعرت بمشاعر متضاربة غريبة.
      أولها حب جم ما شعرت كمثله حب، حب لا يجاريه حب و من نوع غريب، بنفس اللحظة ازداد حبي لوالدي إذ أدركت مدى حبهما لي إذ هو كما أحببتك، مهما فعلت لهما ما أنصفتهما، شعرت بحجم آلام الأم، ألم تلذذت و هي تقاسيه، حب الأب الذي لم يمهلني القدر أن أبادله جدك إذ أدركت الشعور بهذا الحب بعد أن انتقل جدك إلى جوار المولى عز و جل بأشهر قلائل.
      شعرت أيضا بخوف شديد من هذه الدنيا البائسة الظالمة، في زمن التسلق بالتملق، زمن رجال المال، زمن تشترى به الرؤوس بحفنة من النقود، لكن اعلم يا بني أن مهما كان في زمنك من قبح النفوس تسلح و أدعو الله أن يقدرني على تسليحك، لا تسليحك بقطعة حديد صماء بل تسليحك بعلم تترفع به عن الجهلة و فارغي الرؤوس و تحاجج به كل مقدر للعلم و المعرفة، أسلحك بخلق يحير أعداؤك فيعجزهم فيتهاووا كأوراق الشجر بالخريف، بني إن شعرت يوما بان العلم و الخلق الرفيع و الترفع عن الرذائل لا يفيد اعلم انك في مكان ظالم بائس لا يرتعه إلا الشياطين فاهجره و لا تأسف على أي مما كان فيه.
      بني تجنب السفهاء الجهلة احتراما لعلمك، تجنب المتسلقين المتملقين احتراما لذكائك، تجنب الصغائر احتراما لقدرك، و قبل كل ذلك تواضع و تواضع احتراما لي و لجدك و لكل من استن سنة التواضع، بني إياك أن تشعر بصغر بالتواضع فهو أساس الرفعة.
      بني الحبيب قد لا تدرك معاني ما اكتب لك اليوم لكن ثقتي بأنك من الفراسة انك ستحتوي معانيه إن شاء الله.              
      ولدي الحبيب ارع أختك و تلطف بها اغمرها بحبك فما لها سواك اعلم يا بني أنها غالية علي كما أنت، و اعلم انك إن كنت الأرض فهي زهورها و ورودها. أحبتي سليم و سارة لا ترجوا التوفيق إلا برضى أمكما.
      ولدي الحبيب الغالي كل عام و أنت بعلم و خير.  

فارس غرايبة 

Tuesday, 13 July 2010

الدم البارد



      ازدحمت الحافلة بركابها الذين تجمهروا جلوسا و وقوفا، و تجمع بعضهم عند المخرج في وسط الحافلة، نظر السائق و قال ابتعدوا عن المخرج، تزحزح بعض الركاب هناك إلا أن ذاك لم يعجب السائق الذي قال إن هناك مقاعد فارغة كثيرة بالطابق العلوي من الحافلة اصعدوا إليها، إلا أن أحدا لم يصعد، فما كان من سائق الحافلة إلا أن توقف و أطفئ المحرك و التفت و بصوت مرتفع أعرب عن امتناعه عن القيادة ما لم تنفذ أوامره.
      وقفت إحدى الراكبات و باشرته بالكلام بأنه ليس من حقه أن يجبر احد على الجلوس لا بل ليس من حقه تحديد مكان وقوف أو جلوس أي من الركاب حتى انه ليس من حقه مجرد التحدث مع أي منهم، و أبلغته أنها ستشتكي للمسئول عنه، و بعد لحظات نزلت من الطابق العلوي راكبة أخرى و نظرت إليه و سألته بأي حق توقف الحافلة؟ أنا يجب علي أن الحق بالحافلة التي انطلقت الآن من الموقف التالي و أنت بتصرفك هذا حرمتني من حقي بالوصول بالوقت الذي يناسبني، اجبني ما الحل الذي لديك الآن لتعوضني بدل تأخري الناتج عن تصرفك الأرعن؟
      عدت إلى البلاد و باليوم التالي ذهبت إلى مكتبي لا لشيء إلا لتوقيع بعض الأوراق و تحرير دفعات فواتير و الاستماع لبعض المشاكل التي حصلت بغيابي و كيفية حلها، و اجتمع بعض الموظفين يهنئون بالعودة سالما، و دار حديث عن تلك البلاد و عادات أهلها و حياتهم، ثم بادر احدهم و وصف أهلها ببرودة الدم، نظرت إليه و سألته ما المقصود ببرودة الدم؟ هل نحن الذين نصمت عن كل الأخطاء من حولنا دمنا حار و هم الذين لا يقبلوا أن يتنازلوا عن اقل حقوقهم دمهم بارد، هل التهور و الرعونة بالتصرف و الميل إلى التشاجر لأتفه الأسباب لان دمنا حار أم معرفة حقك و إصرارك على نيله و التمسك به برودة دم؟ هل التجبر بالمرأة و امتهان ضعفها لدرجة الاستعباد واختزال همها برداء و غطاء في حين يوشك الرجل أن يُغتصب كالإماء و يُساق كالبهائم إلى المجهول حرارة دم؟
      تلك الليلة بت أفكر بما نحن؟ لسنا على خارطة أي انجاز على أي درجة من الأهمية أو السخف، نحن حتى بأسخف الانجازات السخيفة كالرياضة مثلا ليس لنا أي وجود، فكيف بنا نكون بأي مرتبة بين الانجازات العظام، و نتمسك بحرارة الدم و سخف المظاهر الكاذبة، نحن باختصار لكثر كذبنا أصبحنا نكذب حتى على و عن أنفسنا.
      إلى متى نتشبث منهزمين وراء شعارات لا نفقه معانيها ، و بمجرد تلفظنا بها ندين أنفسنا دون علمنا أو لجهل لفنا حتى أعمانا؟

فارس غرايبة