Friday, 25 February 2011

إصلاح أم استصلاح؟؟


      حاولت أن أنأى بنفسي عن التطرق لهذا الموضوع إلّا أن حدث فردي عابر حصل معي اليوم، فما استطعت للنأي بنفسي سبيلا.
      ما من أسخف من شرطي السير الذي يقف بجانب السيارة المخالفة إلا الشخص الذي يهرول مسرعا يرجوه عدم مخالفته، و كأن الأول صاحب الحق بالإعفاء من المخالفة، و الثاني يسعّر كرامته بقيمة المخالفة، و المهزلة أن الطرفين يناديان بالإصلاح، إلا إني أرى إننا بحاجة لاستصلاح كلي (فردي و اجتماعي و معنوي و إداري و أكاديمي علمي و و و)، استصلاح و ليس إصلاح كي لا نفرّط بالحسن مما أنجزنا و نبني عليه بعد استخلاص الغث منه.
      الإصلاح لا يُستورد و لا يُستنسخ، الإصلاح ينبع من إشكالية بعينها تُطرح، و يكون على شكل تغيير بالمنهج أو المسبّب الذي أّدّى إلى حدوث الخلل أو الإشكالية، و وضع أسس جديدة بديلة واضحة ثابتة للسير عليها كمنهج بديل تمتاز بمرونة الآليات و ثبات الهدف، و تتمتع بقوة عقابية رادعة صادقة للحيلولة دون تكرار الانحراف و الوقوع بالإشكالية مرة أخرى، الذي بعد ذاك سيكون عصي الحل لتمتّع المنحرف بالمناعة الطبيعية ضد سبل التغيير التقليدية.
      أحدثكم عن حوادث شخصية عشتها بنفسي، هي و أمور كثيرة أخرى حثّتني لاستنتاجي بحتمية استصلاحنا على الصعيد الفردي أولا، حوادث أستقرئ منها بعض ما يتمتع به قادة الإصلاح، أقول بعض و ليس كل، كون بعضهم لم يتسنى لتجربتي معرفة أي مما يتمتعون به من صفات، و بعضهم صادق بريء فوق الشبهات. كنت عائد من رحلة إلى لندن عاصمة الاستعمار و شريك الامبريالية، و صدفة كان على متن الطائرة شخص اشتهر بعفلقيته المستفحلة و التي تسري في عروقه أينما التفت، نزلنا مطار الملكة علياء، و كان النظام المتّبع في المطار تلك الأيام تأجير عربة الحقائب بنصف دينار، مع إستسخافي لانتهازية ذاك الأسلوب، إلا أن الأخ المناضل كان يسير و زوجته أمامي، وقف عند العامل المسكين الموكل بقبض الأجرة و تسليم العربات، و ما أن طلب نصف الدينار من الأخ إلا و استشاط مناضلنا غضبا و انهال على العامل المسكين بسيل من التنظيرات المتكلّسة، و لمعرفتي المسبقة بخلفية الأخ السياسية، فسّرت و بتقدير ذاك التصرف انه نابع من مبادئ سياسية ثابتة لا تحيد لمناضلنا الكبير، غلبني الشوق لأهلي و الأحبة، فبادرت بإعطاء العامل دينار لعربتين واحدة لي و أخرى لمناضلنا كي أسهل خروجي متعجلا، توقّعت من مناضلنا الرفض كونه يعترض على المبدأ أو اضعف الإيمان أن يستفسر عن سبب تصرفي أو هويتي، إلا إن أي من ذاك ما حدث أبدا و اخذ عربته المأجورة، و ما بدر منه أي بادرة و لو إيماءة شكر، على كل حال الشخص موضوع الحديث هو الآن وزير في وزارة أزمة الإصلاح الحالية.               
      تجربة أخرى تخص كاتب نضالي احتضنته مهاجع السجون أكثر من فراش بيته، ما حاد قلمه عن النقد و المطالبات اللينينية الحمراء هذه المرة، إلا انه و بعد أن استؤجر بمكافأة أتت بلباس جائزة حكومية تقديرية، كسر قلمه الرصاص و ما عاد يعرف الكتابة إلا بقلم مُذهَّب يمتاز بنعومة الخط و وضوحه.
      تلك بعض حوادث مما عايشت، لن أُكثر خشية الإطالة عليكم، لكن الإصلاح إن لم يكن استصلاح شامل من الفرد أولا مرورا بالمجتمع و ما يتفرع منه ككل، فما هناك من معنى لقوانين تسن للطباعة و النشر فحسب، فلينظر كل منا إلى نفسه و كيف يتصرف و يفكر، كيف ينظر لغيره و يظن و يفسّر، كيف يتلوّن و ينقلب و يتصنع تبعا لمكانه، من يقابله، ما يرتدي، و ما يركب، حتى على مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك و تويتر) تنحرف تعليقاته و مشاركاته حسب مَن هم أصدقائه أو مشاركيه، كيف أن انفصام شخصياتنا وصل حتى ليكون لكثير منا حسابين على هذه المواقع بشخصيتين مختلفتين كل الاختلاف حتى بجنس المستخدم.

فارس غرايبة

Sunday, 20 February 2011

ما من طبل إلا أجوف


      عوني ورث مزرعة جميلة ذات زرع و أشجار وارفة و ماء وفير، كان أبوه قد اجتهد لأعوام و أعوام برعايتها و متابعتها، كان يعمل في المزرعة بعض مزارعين منهم جعفر، و هو نشيط واسع الخبرة، لا يعرف إلا العمل بدون كلل، و حينما يبدأ لا يداخله الملل، كان جعفر يعين أبا عوني بشتى شؤون المزرعة، و يعتمد عليه أبو عوني كلما غاب، لكن عوني شاب متنعم ليس بذي خبرة لا بالزراعة و لا بالحياة، فحينما جاء ليحل مكان أبيه شكا له جعفر عدم قدرته العمل لوحده بكل الأعمال، إذ كان أبو عوني يقوم بأعمال كثيرة يتفرغ دونها جعفر لباقي أعمال المزرعة من حرث و بذر و حصد و لقط و ما إلى ذلك، فقرر عوني أن يعيّن من يعين جعفر بأعمال المزرعة، إلا أنه ما كان هذا هدف جعفر إذ أراد أن يتابع عوني ما كان أبوه يقوم به، بعد أيام جاء عوني و معه عماد، شخص قوي البنية كثير الكلام، فعرف جعفر نتيجة ذلك فكثير الكلام غالبا قليل العمل، لكن ما بيده حيلة فانصاع لرغبة المالك و ما له إلا السمع و الطاعة.
      عماد يحب الشاي، فكان كل يوم يصنع إبريقا من الشاي يكفيه من الصباح حتى الظهيرة، و يجلس عند بوابة المزرعة حتى الغداء فيتناول طعامه و ينام لبضع ساعات، ثم يعود ليعد إبريق شاي ثان ليجالسه حتى المساء و في نفس المكان بوابة المزرعة، و كلما لاحظ قدوم عوني من بعيد نهض و انتفض مسرعا إليه، يحييه و يبجله و يحدثه كذبا عن نشاطه و همته و تفانيه، و عن المشاكل التي واجهها و حلها بخبرته النادرة، و كل يوم يؤخذ عوني الغر بشخص عماد معسول اللسان، و يعود إلى حيث أتى إلى بيته دون سؤال جعفر عن الحال، الذي كان سيصدقه القول.
      بعد فترة من الزمن حدّث عمادٌ عوني عن حاجته لعامل آخر يعينه على المهام الشاقة الجديدة، إذ انه قد وسّع من الأعمال في المزرعة التي ما كلف عوني نفسه التحقق منها أو من صحة ما يدعيه عماد، فوافق و وكّله باختيار من يراه مناسبا لإعانته، و ما هي إلا أيام و احضر عماد فتى اسمه يوسف لإعانته، كانت مهام يوسف التي أوكله بها عماد هي إعداد الشاي، و في مواعيده المحددة، و علّمه الطريقة و مقادير المكونات بدقة، فبرع يوسف بتلك المهمّة الشاقة، مما أتاح لعماد وقت أطول من النوم صباحا و بعد الظهر، ذاك الوقت الثمين الذي كان يقضيه بإعداد الشاي المقدس، و اعتاد عماد حمل عصا بيده يلكز بها من حوله و يتسلى بها، فكانت كالرفيق الذي لا يفارقه صباح مساء، و أعاد عماد الكرّة، ففي زيارة عوني التالية أعاد الحديث عن المساعدين، و اختصارا فوضه عوني بتعيين العدد الذي يراه و الذي يفي بحاجته، و فورا عين مساعد ثان يقف بجانبه، مما أثار حفيظة يوسف، إذ رأى به منافسا ينازعه موقعه بوظيفة إعداد الشاي المقدس فشكا لعماد ذلك، ضحك عماد، و قال له بأنه يرى به من هو أكبر من تلك المهمّة، و أوكل إليه مهمّة حمل العصا التي اعتاد عماد حملها، فأصبح يوسف حامل العصا المباركة، و أوكلت للشاب الجديد مهمة إعداد الشاي المقدس.
      كل هذا يجري و جعفر بعيد عن العيون و الأحداث، يعتني بشؤون المزرعة كافة و التي ما عاد بوسعه الإحاطة بها، فذهب إلى عماد و حدثه بوجوب أن يساعده بالأعمال هو و الآخرين المحيطين به، فما كان من عماد إلا أن أزبد و أرعد، و بصوت مرتفع بجعفر صرخ قائلا: أتريد أن اترك مهمة حماية أطراف المزرعة من العابثين؟ أو أن يترك يوسف مهمة حمل العصا؟ أو أن يترك الشاب مهمة صنع الشاي؟ لا بد انك جننت، أتتعاطى شيء يهلوس و يلوث دماغك؟ اذهب، اذهب من هنا بالحال، فوق كل هذا تحرضنا على عصيان أوامر السيد المبجل وليّ نعمتك جناب المحترم عوني؟ اذهب قبل أن يحدث لك ما لا تحمد عقباه.
      عاد جعفر خائبا، و من تلك اللحظة قرر أن يعمل قدر ما يستطيع لا قدر ما تتطلب المزرعة، فما عاد يعمل سوى تلك الأعمال المحكومة بساعات عمله المعهودة، لا يبذل أي مجهود إضافي مهما اقتضت الحاجة، لكنه في كل ليلة يتحسّر و يتألّم لما يحدث في المزرعة من إهمال و تراجع و خراب.
      انقطع عوني عن مزرعته مدة من الزمن، حار عماد بالسبب و عزم الأمر لزيارته بالبيت ليُجيب على أسباب حيرته، و كذلك كان، و حين التقى عوني سأله، فتعذّر عوني بتعبه من السير إلى المزرعة، و إن ذاك الأمر أصبح يرهقه، فابتسم عماد و بذكاء خبيث أجاب: لا تنشغل أنا عندي حل فنحن لا نستغني عنك أبدا، فإننا أوضع من حشرات تحتشد عند روث من دونك. و استأذن عماد و خرج مسرعا إلى المزرعة، و نادى يوسف و أمره أن يحضر البغل الذي يدير الساقية بسرعة و أن يغسله و ينظفه، و بعد تمام المهمة قام عماد فأسرج البغل و زينه، و هو في غمرة تجهيز البغل جاء من بعيد جعفر يصيح، مَن قطع الماء عن الزرع؟ فتصدى له عماد و ردعه، و اعلمه بان السيد المبجل ولي النعمة جناب المحترم عوني من أمر بذلك، فما كان من جعفر إلا أن طأطأ رأسه و عاد خائبا إلى ما كان عليه، و بالحال أخذ عماد البغل، و مسرعا إلى عوني اقفل عائدا يحثّ البغل حتى أوصله لعوني الذي فرح و انتشى بما رأى، و شكر عماد و أخذ البغل و عقله، دخل البيت و على زوجته نادى و سألها: أين العباءة؟ أي عباءة هذه؟ ردت زوجته ضاحكة، فأخذ عوني بيدها و بالخارج قال: انظري، فما أن شاهدت البغل حتى فهمت، و بالحال قالت: نعم لابد لك من عباءة تليق بالبغل، فذهبت إلى مكتبة في البيت ضمت بعض الكتب القيّمة القديمة، كان أبو عوني يطالعها و يراجعها بحياته، إلا أنها ما عاد لها لزوم الآن إذ أن عوني من العبقريّة التي استوعبت و تجاوزت بمراحل ما احتوت تلك الكتب، باعتها و اشترت بثمنها عباءة مذهبة فاخرة.
      بالصباح سرى عوني بسذاجة و تباه راكبا بغله، و إلى المزرعة أسرع، و في طريقه حيى كل من قابل من الجيران بتعال من على صهوة بغله، مستمدا عنفوانه و علوه من البغل و عباءة البغل، و وصل المزرعة، فأسرع يوسف و امسك بخطام البغل، و اقتاده و هو يمطر السيد المبجل بعبارات المديح و التبجيل، و سأل عوني عن عماد، فرد يوسف انه آت بالحال، إلا أن عماد و كما العادة نائم، و كلّف يوسف الشاب الآخر أن يذهب و يبحث عن سيدهم عماد، و أن يأت بالحال فالسيد المبجل هنا، حضر عماد مهرولا، نظر إليه عوني و سأله مِن على ركوبه عن سبب غيابه، فما كان من عماد إلا أن أجاب: إن بعضا من الشباب الأرعن اللامبالي اللامسئول، كان يرمي ببعض الحجارة في البئر الجنوبية، فذهبت لأذود عن حمى البئر تلك، و ها أنا هنا رهن أمرك و إشارتك.       سرّ عوني مما سمع عن تفاني عماد بالعمل و إخلاصه، و هو لا يعلم عن تلك البئر أي شيء، أو إن كان هناك بئر جنوبية حتى.
      من بعيد شاهد جعفر بغل الساقية، فأسرع ليستعيد البغل ليسقي الزرع العطش، همه الزرع و عطشه فما رأى من يمتطي صهوة البغل، إلا أن الشاب و يوسف تصدوا له، و أبعدوه عن المكان، فالتفت عوني و سأل عما به جعفر، فابتسم عماد و اسرّ لعوني: إن جعفر منذ مدة و هو يتردد عند مجموعة من الرجال، يتعاملون مع نوع من الأعشاب يحرقونها و يستنشقون دخانها، فتذهب بألبابهم و تودي بهم إلى تصرفات و أقاويل لا محسوبة و لا متزنة، و العياذ بالله، و لنحميك و نحمي مقامك مما قد يقدم عليه من تصرفات لا نعرفها، نحاول أن نبعده عنك، و أبقيناه بالمزرعة كرامة لأبيك و ذكراه. أجفل عوني خوفا، و شكر عماد على حمايته و عونه الدائم له.
      استمرت الأيام حتى جاء جعفر لعماد يشكو انقطاع الماء كون الساقية بلا بهيمة، و اقترح أن يأتي ببهيمة أخرى غير بهيمة عوني، فالمزرعة تموت كل يوم و الزرع يذبل و الشجر عطش، فوعده عماد بان يحل المشكلة، فأتى بعد أيام بعامل جديد مسئول عن الساقية، فلقي جعفر و اعلمه بأنه قد حل المشكل بان احضر عاملا مسئولا عن الساقية.
      قهقه جعفر ضاحكا و بعينه دمعة حزن و قال: الساقية بحاجة لبهيمة تديرها ليس عامل يشرف على ساقية بلا بهيمة، ما بك؟ أتحضر من يدير لا شيء؟ على كلّ أنا أذهب للعامل الجديد و أرى ما الحل لديه؟
      حسناً قال عماد اذهب اسمه رزق الله اذهب.
      وصل جعفر عند الساقية فوجد ذاك الرجل جالسا يناظر الغيوم، اقترب منه و بعد التحية، سأله عن كيف سيخرج الماء من البئر و يروي مجاري الماء في المزرعة؟
      فأجاب رزق الله انه منذ الصباح و هو يدعو الله أن تمطر.
      نظر إليه جعفر و بعينه حمرة و بدهشة قال: الآن موسم الصيف ما من مطر في الصيف، ما بك و لِمَ هي البئر و الساقية؟
      حسنا حسنا أجاب رزق الله لا تغضب غدا سأصوم و من الفجر سأدعو الله أن تمطر.
      نظر جعفر و وضع يديه على رأسه و صاح: إلهي، إلهي، لو أن الدعاء بلا عمل يأتينا بقوتنا لجلسنا بالمعابد وما زرعنا و لا سقينا، و بتنا ندعو ليلا نهارا أن يأتينا رزقنا، حسبي الله حسبي الله.
      و ذهب جعفر تاركا ذاك الرجل يناجي ادعيته و جعفر يناجي خالقه بان لا يؤاخذه بما فعله السفهاء، و أن لا يحمله ما لا طاقة له به، و ترك المزرعة و سعى يسترزق في البلاد.
      بعد زمن ليس بالبعيد، عاد جعفر صدفة إلى المزرعة، فوجدها خرابا يبابا، و يجلس على بابها رجل رث الثياب أشعث الشعر اغبر، اقترب منه مسلما فرد السلام، فعرفه انه عوني يجلس وحيدا مكسور الخاطر حزينا، فعرّفه بنفسه، فبكى عوني و ضم جعفر إليه، و بحديثه نبرة عتب: لمَ تركه و ذهب و لَمْ ينصحه في تلك الأيام؟
فأجاب جعفر: أنصحك؟ كيف ذاك و أنت من أحاط نفسه بثلّة من المنتفعين المنافقين، و بعد أن كنت عوني المحبوب، تقوقعت بألقاب زائفة تبجل بغلتك و عباءتك، حتى تركتك بلا عباءة أو بغلة؟ اعتمدت على عماد كثير الكلام، ألا تعلم أن كثير الكلام قليل عمل؟ بل انه كان كالطبل كلامه كثير و صوته عال و لا ينطق إلا من فراغ. كيف أنصحك و أساس النصح الإصغاء، و أنت ما أمكنك الإصغاء من علٍ، فوق صهوة بغل الساقية، فالإصغاء لا يكون بسماع الصوت بل الإصغاء يكون بالإنصات للقلب.
      عوني: حسنا يا جعفر لا تفتح الجروح و تعبث بدمي النزيف.
      فرد جعفر: أنا لا افتح الجراح فلو تعلم جرحي أعمق و اكبر.
      عوني: حسنا يا جعفر أتساعدني لأعيد ما كان؟
      جعفر: أنا لا أساعدك بل أنت من يساعد نفسه، أنا سأنقل إليك بعض مما كان عليه أبوك، إذ لا أستطيع أن انقله لك كله، فهو جم و كثير لا يتعلمه أي شخص، فهو يأتي خَلقا و من آلام الدروس، نعم أنا كرامة لأبيك سأعينك لكن بشرط واحد، أن تأتي و تعمل بيدك، و كل يوم كما كان أبوك. أبوك يا عوني كان قد أحب هذه المزرعة و لذلك هي أيضا أحبته، أبوك يا عوني كان يمسك أغصان الشجر كطفل يداعب أطراف ثوب أمه، أبوك كان يبات بجوار النعجة إذا ما قاست حتى تلد، أبوك كان أفضل عطوره رائحة التربة العطشى إذا ما أصابها أول الوطر، أبوك كان يداعب زهر الليمون و كأنه جدائل حورية، أبوك كان ينظر حب الزيتون بقدسية نور زيتها الذي كاد يضيء. فكانت هذه المزرعة تعشقه حد القداسة، فكلما مر تعبق الأجواء بعبير زهر الليمون يتراقص بين ثنايا النسمات، و زيتونها يدمع زيتا فرحا بقدومه، و تلك الأنعام كانت تجتمع حوله و كأنه يبادلها الحديث، أبوك يا عوني قسماً رأيته يبكي شجرة احترقت بصاعقة خرقاء، هذا بعض مما كان عليه فلا أنا ولا أنت قد نجاري بعضا من ذاك إلا بالاجتهاد و الصبر و اعتبار الدروس.

فارس غرايبة    

Monday, 7 February 2011

السلطان من لا يعرف السلطان


      بعد فترة من الحماس المندفع، و المتابعة الحثيثة لما جرى و يجري في تونس و مصر، ركنت إلى ذاتي و عدت كعادتي احلل الأمور بتأني بعيدا عن المؤثرات الإخبارية المحيطة، و بعد تفكير بالاضاد، تهت، فتارة أجد طرف الخيط، و تارة اكتشف أنني ممسك بالخيط الخطأ، تارة تتسلسل الأحداث بمنطقية، و تارة تتشوش الصورة و ادخل في حيز من الضبابية السوداوية لاستقراء المابعد.
      كدأبي في التفكير المتأزم حبيس نظرية المؤامرة، كون تاريخ المنطقة الحديث و ما عاصرت منه لم يسمح لعقلي الخروج من هذه النظرية، وجدت أن أقوى الأنظمة و أشدها سيطرة و تزمتا، هي تلك الأنظمة التي أتت نتيجة تملق الإرادات الشعبية، بامتطاء صهوة الحماس الثوري بقوالب نضالية، و تسييسها في مراحل التقرير، بعيدا عن الدوافع و الآمال الحقيقية التي أنهضت و استنهضت العامة، و من هنا تبدر لذهني فكرة التجديد عن طريق الفوضى الخلاقة للوصول إلى الخريطة الجديدة المزعومة في المنطقة، فنتاجات الثورات من قرارات تقارب الكلام المنزل فمن يعترض فإما يتهم بالعمالة أو نصرة النظم السابقة البائدة، أرجو هنا أن لا أُفهم خطأ فلا بد أن أشير إلى إعجابي الشديد لما حصل و يحصل، إلا أن كلامي عن فترة الحصاد التي تفرز زعامات مستنسخة، تجيّر و تبلع كل الجهود بحجة المنطق و التباحث و التفاوض.
      نقطة "أي بلد هو التالي" تؤكد لي صحة تفكيري بأن الأمور مرسومة، إذ لو أن الهدف الباطن كما الظاهر من المطالبات، لبادر من يستشعر بأنه التالي، و هو بالتأكيد يعرف، و قام بإصلاحات تتجاوز بكثير سقف المطالبات و التي أيضا هو مدرك لها، و حافظ بذلك على ديمومته و كيانه.
      اكرر تأكيدي على إعجابي الشديد بكل ما حدث في تونس و مصر، و ما هدفي إلا مشاركتكم بتخوفات تنازع الفرحة، و حرص على عدم ذهاب التضحيات سدا، و تعود الأمور إلى سابق عهدها، فلا تنسوا أن من ثارت و تثور ضدهم الشعوب في تونس و مصر هم كذلك ثوار و نتاج ثورات.

فارس غرايبة

Monday, 31 January 2011

محطة أخبار الجزبية


      كلنا نستقي أخبارنا من مصادر موجهة مأجورة، تابعة و خاضعة لأجندات متفرقة، فها هي محطة تصر أن ما يحدث في مصر بفعل تنظيم دون آخر، و حركة السلب و النهب هي نتاج أي حركة تحرر، و مصير كل من تسول له نفسه حلم التحرر، و أخرى تصر أن الشرطة، و بسبب تعاملهم الدائم بحكم الوظيفة مع اللصوص و الغوغاء، أصبحوا منهم و يترأسوا عصابات للنهب و الترويع، و أخرى تستضيف من لندن المناضل المستتر الذي يوافينا من تجربته الشخصية التي مر عليها فقط خمس و ثلاثين عاما حينما أُبعد في عهد الرئيس أنور السادات، و ينظّر علينا من عاش مستجديا بكنف النظام الدكتاتوري و يحدثنا بمجموعة من المصطلحات التي يكاد لا يفهمها غيره من ديماغوجيا و ثيوبلطجية و الانبطاحية الزئبقية الموالية للغرب، و كأنه لا يعلم أنه لم يعد هناك شرق حتى نميز منه الغرب، و آخر أستاذ دكتور متأرجح بين جامعة بطر و جامعة وست بست يلقي بمحاضرة عن ما يمكن حدوثه فيما لو أن و لكن و ليت و لعل، و المحلل السياسي يباغتنا بعصارة تحليلاته فيخرج بأن المطلوب قيادة شعبية من النخبة ذات اضطلاع بالمسائل الاقتصادية بخلفية عسكرية دبلوماسية يؤمن بالشيوعية العشائرية و ملتزم دينيا، و حتى بعض فنانين من نخبة الاراجوزات وصلهم الدور في تملق الإرادات.
      أما الشباب صاحب الحق الوحيد يبقى مستسلبا حقه، مكمما فاه، مقطعة أوصال لغته، المرابطين في ذاك الميدان ينتظروا تحقيق اسمه (التحرير)، فلا بواكي له، يأتيهم بطل يحمل الامل سقط عليهم بمظلة نووية، و أيسر كهرباء لم يره أحد بين الحشود لانشغاله بطباعة البيانات، و قيادات و قيادات تخاف على نفسها و كأن أرواحهم أغلى على الوطن من أرواح أولئك الشباب، شباب يعرف ركوب الحافلة، يعرفوا اسم بائع الفول يحدثون الكل و هم من الكل، يسبحون في دنيا العالم الرقمي فيروا و يقارنوا فيتحسروا و يتألموا ثم يتساءلون لم نحن لسنا ككل من نراهم هناك؟
      اليوم لا قادة فكل من هناك من الشباب هم القادة، احذروا ان يسلبكم عناءكم دمى السياسة، و أبواق النظريات، فاليوم انتم القادة.

فارس غرايبة

Friday, 28 January 2011

مصر.......ألف ليلة و ثلاث ليال


      ناموا فنمنا و ننام فينامون، كم تغزلنا بالليل و النجوم، كم أبدع الشعراء بعد أرقهم بهيام يسهرون، هل عشقنا الليل حتى توطنت فينا الظنون؟ حتى إذا ما الشمس سطعت نلوذ وراء العيون، و حينما نرى من يعشق النور نتهامس جهلا و خجلا لا يستطيعون لا يستطيعون.
      لو أن أحدا أعرض عني أنطوي و تؤرقني الليالي لأعوام و يمسني الجنون، فكيف من يهتف آلاف ملء الحناجر أخرج ابتعد و لصوره يمزقون؟ و يسعى لتكميم الأفواه و قطع أوصال سبلهم عبثا فإن لم يسمعهم أو يراهم احد فملايين وراءهم بقلوبهم يرون و يسمعون، نعم لقد ذاقوا دفء الشمس بعد ليل طويل ظلامه يلعنون.
      أشرق فجر، يفضح القهر، يهز القبر، يكشف الجحر، جباه سمر، تحمل سفر، دستور الحر، ساعة صبر.

فارس غرايبة

Saturday, 22 January 2011

شهيق و زفير


      بعض الكلام لا تحتمله الكلمات و تهابه الحروف، كما شمس الصباح تفر منها النجوم، و أحيان تأتي بسذاجتها الغيوم، ظنا بأنها تحجب النور، لكن الريح تطردها إلى ما وراء الغسق البعيد، فتبكي و دمعها يبلل الطريق، طريق الحياة أبدا لا نعرف أهو قصير؟ أم زلقة وعرة هي الطريق؟ تتعرج بنا الأيام بين شهيق و زفير، بعض الشهيق مؤلم لكن لا حياة دونه و بعض التنهيدات زفير، ننام هربا من آلام، فتؤرقنا حلما يمزق هدوء الليل، بسكين الهم الدفين، نبحث في الغد عن دواء لذاك الذهن العليل، فنغوص برمال صحراء النفس بحثا عن دواء يشفي سقما في الأحشاء دفين، أهو وهم اصطنعناه أم حقا وباء مستشري بين الأضلع يسير؟ دموع تحرق الأجفان تغتصب البكاء فترتد على الصدر عبئا ثقيل، أتوقفت الأرض سعيا وراء الغد بشروق الشمس الجليل؟ فتصبح لتجلي العتمة و يمضي يوم من الزمن الحقير، زمن استفحل في نفوسه حقد دفين، يستتر وراء نفاق رياء لوهلة جميل، ضاع الحق و دفنه غبار القبور، فتنازع النفس الأبية و تتوق للنفور، تصارع الهدوء تصرخ أما من نصير، لكن لا ندري إلى أي وجهة نسير، أسيباغتنا الغد بألم جديد، بيده سيف قُدّ من حديد، أم أن في الغد عيد؟

فارس غرايبة

Wednesday, 19 January 2011

تائه بين ماركة و الماركة


      لا فرق عندي بين من يقود الأفانتي و من يرتدي ملابس من أفانتي، كما أن من يرتدي البربري ليس بالضرورة أن لا يكون بربري، أما إن لبست الفندي إياك أن تعتقد انك بذلك تصبح أفندي، و أجزم أن من ترتدي الجوسي ليست ( غضة / طرية ) كما تُعلن تدري أو لا تدري.
      اتصلت بي سيدة تروّج لاشتراك بعضوية احد الفنادق بعمان، قالت ( بونجور ) طبعا أجبت يا هلا، و بدأت بشرح ميزات العضوية و أغلبكم يعرف عما أتحدث من تجاربكم، و أقنعتها بأنني لست من رواد أي مكان حتى أوشكت أن تقتنع هي أيضا بعدم الخروج، و بقيت تسألني ( أنت ما بتضهر أبدا؟ ) ما أستغربه الاعتقاد السائد لدى أصحاب هكذا حملات أنها ستنجح بتغيير اللهجات، كما هي الإذاعات و المحلات، فكثير من صالونات السيدات يعمل بها ( جو ) من زوء مكايل الذي كان بالأمس عبد الستار من الرصيفة، وبالحديث ما عدت أميز بين عودة و عودة و عودة، عودة: الفعل الحلم و عودة: الاسم و عودة: البنك، يا ناس ارحموا أنفسكم.
      مسكين من تنطلي عليه خدع الخِلَع، و ساذج من يعتقد أن النعومة و الجمال مرتبط بلهجته، هل تواجه ثقافتنا حملة إقصاء بالقاف أو بالخاء سمها ما تشاء، أم أن لكل زمان لهجة و بلاء؟      
فارس غرايبة

Monday, 17 January 2011

تخبيص و هذيان


      عفوا،،،، لقد فقدت البوصلة، ليست معطلة و ليست مكسورة بل مفقودة، بالأمس القريب أشعل محمد النار بنفسه، بعضهم قال لضيق مادي و لبطالة و آخر لكثرة الأعباء، الحقيقة لا أعرف لكن أظن الكرامة، اسرح و أجول كيف من عاش ضنك الفقر و نكد العوز بعفوية تصرفه يحدث زلزالا يطيح بعرش من عاش حياته بترف و سلطان مطلق؟ سبحان الذي على العرش استوى. هل هي الأسباب أم الدنيا؟ مخيف لكل من ظن انه بمنأى عن خطوب الدهر، من بعده شباب في الجزائر و آخر في مصر و موريتانيا حذوا حذو محمد، لكن لم يخرج أحد، هل مازال هناك متسع للصمت؟ أم كم من حرق الشباب يحتاج الأمر؟ لا أدري لم خطرت ببالي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، لا أدري ..... هذيان.
      هل ما يمنع تكرار النموذج التونسي في مصر خوف الشارع عموما من نشوء نظام حكم ثيوقراطي؟ كونهم أقوى المعارضات و أكثرها تنظيما؟..... عفوا عدت للهذيان.
      مدد فاز المنتخب بمباراة اليوم، مدد جاء للحكومة الرفاعية مدد، الكل فرح بزهو و يطير بالعلم حتى اقتلع الوتد، مدد. غريب أو لا ادري، لكن اعتماد النمط الاستهلاكي و الابتعاد عن الزراعة و اعتمادها مهنة في المجتمعات، يؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطى، مما يوسع من الفجوة الطبقية، التي بدورها تؤدي إلى انعدام تكافؤ الفرص، إن أردنا أي إصلاح اقتصادي منهجي يجب أن نركز على إعادة هيكلة و إحياء للطبقة الوسطى دون الاعتماد على الوظائف الحكومية العامة، بل بتشجيع المشاريع الصغيرة و المتوسطة حجما و دعمها بطرق عدة، منها تخفيف أو إزالة العبء الضريبي عليها، و الاستعاضة عنه بتحميل الفوارق على الشركات الكبيرة، و تسهيل الحصول على التمويل الميسر صغير الحجم و قليل التكاليف، و لا ننسى أن لا بد من تحمل بعض الفترات من الإرهاق المالي العام في البدايات، باختصار إذا فرضت ضرائب على الشركات الكبيرة لا بد من منعها من تجيير هذه الأعباء، و إعادة تدويرها و فرضها على المستفيدين من ناتج ( سلع أو خدمات ) هذه الشركات، يعني إذا فرضت ضريبة مثلا على شركات الاتصالات أو الكهرباء يجب منع هذه الشركات من إضافتها على فواتير المستهلكين و يصبح طول الفاتورة مترين، بل يجب اقتطاعها من أرباح هذه الشركات دون تحميلها على المواطن. فهمتم قصدي؟ عفوا عدت للهذيان و التخبيص أيضا.
      ها هي صدرت لائحة القرار ألاتهامي، لا اعرف فحواها، هل ستعصف موجة من الحرق لبنان؟ أم تمخض الجبل فولد فأرا، عفوا عدت للهذيان، خير لي أن انسحب، آسف لإزعاجكم بهذياني.

فارس غرايبة

Thursday, 13 January 2011

وطني يؤلمني


      علّمتني الأيام أن لا وجود لعفوية الأحداث، فإن أرادوا أن يحدث شيء، فإما أن يُطلقوا العنان للأيادي الخفيّة المستَتِرة وراء قفّازات مختلفة الأشكال لتتحرّك بالخفاء، و إما أن يُبادروا بمجموعة من الضّغوط تدفع باتجاه مجموعة من قرارات و توجيه إعلاميّ مع بعض المحفزات الشعبية بنكهة الوطنية، لخلق حالة من الأجواء تؤدّي إلى ما يُريدوا من أحداث و تحرّكات.
      علّمتني الأيام أنّه و إن وقف خطيب مُفوّه يَصرُخ لساعات في أكثر الأماكن ازدحاما، يمكن أن يستوقف ما لا يزيد عن عدد أصابع اليد من المارّة، يرمقوه بنظرات العطف أو الاستغراب أو أن لا يسمعه أحد كونه بنظرهم مجنون، و كل من يسمعه منهم لن يدرك موضوع الحديث بتاتا لازدحام الهموم.
      مِن هذا، و لا أدري هل هو تفكير ملتو أم أنّني أهذي!! يبرز في لبّي تساؤل لم استهدي إلى الجّزم بجوابه، ماذا بعد؟ ما الغرض، ما الغاية؟
      هل نَضج ما يُطبخ من قرارات سياسيّة مصيريّة في كواليس السّاسَة خفاء في تلك البلاد البعيدة بمشاريع عابرة للإرادات و الأماني؟ أم أن نُذر قدرنا في هذا الحي من المعمورة تَلوح بالأفق بحرب جديدة؟ فلا بد من تهيئ التربة الخصبة لدوّامة اندهاشاتنا الساذجة اللامنتهية؟
      لا أؤمن بعفويّة الأحداث و لا بعفويّة التحرّكات و فوق كل ذاك لا أؤمن ببراءة السياسة.

فارس غرايبة

Wednesday, 12 January 2011

سهل البركان


      قليلة هي الأشياء التي باتت تسعدني، أتوجس من كل خبر و كل صورة، اقلب الأصوات باحثا عن الطعن المخفي من وراء الظلال القاتمة و الأيام القادمة، ماذا يضمر لنا الغد بطلّته الرهيبة؟
      بالأمس كانت تونس خضراء و اليوم كأنما خضبها لون علمها حمراء، و مصر أصبحت كأنها لا تنام ليلها إلا مرتجة كطفل اعتاد هز أمه لسريره في ليلة شتاء، و الجزائر كأنه ريشة قذفها طائر بالهواء، و السودان أصبح سودانان للغرب رياء.
      أيعقل أن أرضا كانت تطعم الرومان يبات احد بها جوعان؟ نعم حوران، سهل البركان. و يعقل أن ساكن النيل ظمآن؟ للحق عطشان؟ مستحيل أن ابن بطل صنديد مغوار يكون جبان؟
      سحقا لهذا الزمان.
      كأننا في قارب بلا شراع و لا دفة و لا ربان، في قعره خرقان، احدها هناك إلى الغرب منا و آخر إلى الغرب من إيران، لوحة رسمت بدم طفل أبدعها شيطان، بريشة من جناح هدهد سليمان.
      سحقا لهذا الزمان.


فارس غرايبة 

Sunday, 2 January 2011

انتشار الشيطان


      ما الذي حل بنا؟ هل تملّكَنا الشيطان أم نحن من دعاه لتملُّكنا؟ هل وَهِنّا حتى أصبحت عقولنا لقمة سائغة سهلة؟ أم انه فعلا يأتي بألف لبوس و لبوس؟
      تركب سيارة أجرة، يكون المذياع على محطة تبث الأدعية و المواعظ، و بعد لحظات يباغتك السائق بهمزة و لمزة عن فتاة تسير على الرصيف، لا ادري هل هو ما سمع شيء مما كان يصدح به المذياع، أم لم يفهمه، أم أنها صرعة هذا الزمن و أصبحت مجرد زينة شكلية يتمنطقها كل من يشاء؟
      نسير بالطرق و كأننا بحرب ضروس نزاحم حتى أنفسنا، نشك بكل ما حولنا حتى شككنا بغاية الابتسامة، لا نثق بكل ما حولنا حتى ما عدنا نثق بالطبيعة و الفطرة.
      نقتل، نعم نقتل كل ما يخالفنا، نقتل بالدم أو بالكلام أو حتى بالنظرة، و الأدهى من كل هذا و ذاك يأتينا من يبرر هذا عنوة جزافا سرا و علانية.
      هل هذا جنون أم مس شياطين؟ أين ذهب المتعقلون؟ أذهبوا ضحية؟ أم خضعوا و استكانوا لهذا الزخم العارم من الجنون؟ أم جمدتهم و سلبت أدمغتهم الشياطين؟
      أُمّ تستبح أرواح أبنائها و أب يستبح عذرية ابنته و تعينه أمّها، و أحداث شر يعجز اللسان عن وصفها، تشمئز لتصورها الأبدان، كلها تبدأ حينما نستهين القدح و الذم و القذف، كلها تبدأ حينما نطلق الأحكام عنوة و جزافا، كلها تبدأ حينما ننصب أنفسنا بمنزلة ليس لأي من البشر حتى حق الاقتراب منها بأي زمان.    

فارس غرايبة

Thursday, 30 December 2010

عيّدت


      في الهزيع الأخير من عام آخر ينصرم، و كثير يحذوهم أمل في العام الجديد أن يكون خير من سابقه، أو اضعف الأماني أن لا يكون بالسوء نفسه، و الواقعيون منا يرجون أن لا يكون أسوأ، أما أنا فأتمنى أن يحل علينا الإلهام و نتحرر من بعض العبارات و الصور النمطية المتكررة، عفوا فقد مللت التكرار.
      منذ أن بدأت أسمع و أدرك، فالصورة هي هي ما تغير بها إلا هندام أبطالها، فليلة رأس السنة منذ أن وعيت الصور فهي ذاتها، بعض من المبتسمين بوعي أو بدون وعي يرتدون طرابيش مخروطية ملونة بزهو كالتي يعتمرها الأسطورة جحا، و بعض يصدرون ضجيجا بصفارات مزعجة إلا بتلك الليلة، و آناء منتصف الليل تزدحم كل الشوارع، صدقا لا أدري من أين تأتي كل تلك المركبات، و أحتار من أين يأتي راكبوها، و إن كان كل هؤلاء يجوبون الشوارع من إذا بالحفلات؟ 
      تلك الليلة يطل علينا صاحب الإلهام الخارق المخياط، و صاحبة السر الدفين شوربة سعيدة، يمطرونا بوابل من التنبؤات بثقة فجة، فينبئنا الأول بزلزال يضرب الأردن، زلزال سياسي و ارضي، و إصابة احد رموز السلطة بأنفلونزا البطاطا مما يؤدي إلى تدهور سعر صرف الدينار و ارتفاع نسبة البطالة، أما عالميا فموت احد الرؤساء العرب و استلام ابنه السلطة من بعده، و كأن هذا الأمر يحتاج إلى تنجيم، و الثانية تأتي بالتفصيل، أما برج الثور فيتأثر في الربع الأول من العام بكوكب جوبتور كونه تور، و يستمر التأثير حتى الساعة الرابعة و خمس دقائق من اليوم الرابع من شهر نيسان / ابريل، إذ ينتقل جوبيتور إلى مدار الحمار، أما من الناحية العاطفية فالفرصة قوية جدا لبدء علاقة ابتداء من الحادي عشر من شهر حزيران / يونيو، تنتهي هذه العلاقة إما بالانهيار بسبب الإفلاس أو ذهاب الفتاة ضحية جريمة شرف.
      و على مدار العام، العبارات نفسها، فبعد رأس السنة بأسبوع تقريبا تمطر السماء، فيباغتنا السيد المسئول باستنتاج نابع عن دراسات معمقة و مستفيضة إذ يفيدنا بان هذه الأمطار، أمطار الخير، تبشر بموسم زراعي جيد، و كأن هناك أمطار لا تبشر بموسم زراعي جيدّ!! و تداهم السيول الحارس بُرعي في سرداب عمارة في الصويفية، و تحاصر السيول عقلة و أغنامه في البادية الشمالية الجنوبية من البادية الشرقية، و هناك دائما من يتصل شاكيا عن تجمع المياه بشارع الشماتة لان جاره اللحام أغلق فتحات قناة التصريف بكيس بلاستيكي اسود (كيس زبالة) لمنع الفئران.
      في بداية الصيف يصرح عضو سابق بالبرلمان الهولندي بعبارة مسيئة عن قطر و استضافتها لكأس العالم، فتجتاح الأمة موجة عارمة من حملات المقاطعة للبقر الهولندي، و كل منتجات الألبان و لحوم البقر، و يستفز وزير سابق بالحكومة الإسرائيلية بتصريحاته حول قناة السويس، و يخرج وزير الخارجية الفرنسي عن صمته و يعلن أن قناة السويس مسجلة كعلامة و براءة اختراع لديليسبس، و مهما حلقت طائرات معادية في أجواء دولة شقيقة فإن تلك الدولة تحتفظ بحق الرد بالوقت و الطريقة المناسبة، أما هنا فيبدأ أبو محجوب بصوت زهير النوباني بوصاياه عن كيفية المحافظة على المياه، و تستمر أمانة عمان بزراعة كل ما يحتاج إلى كميات جارفة من المياه يوميا لتجميل جنبات الطرق، و كأن من يطوف الشوارع يمكنه أن ينظر إلى شيء سوى الشارع ليتابع أخبار المطبات و اكتشافها و تفادي رعونة الآخرين.
      أما نهاية العالم، فاذكر و بصورة ضبابية شيء عن (سكاي لاب) و أين سيسقط و مذنب هالي و زحف جليدي و انحسار جليدي، و تشيرنوبل و مفاعل ديمونا، و الآن المايا لم يستطيعوا التنبؤ بغزو الأسبان و لا اندثار حضارتهم، إلا أنهم استطاعوا التنبؤ بنهاية العالم، حتى أن المايا أنفسهم و حسب معتقدهم لا يوجد ما يسمى نهاية العالم إذ أنهم يعتقدون بانتقال العالم من حقبة إلى حقبة أخرى، بضم الهمزة أو فتحها.
      في الختام اكرر أمنيتي بأن يأتي علينا العام الجديد و يحل علينا الإلهام و نتحرر من التكرار بالعبارات و التصورات، و أتمنى لكم جميعا عاما جديدا كليا، و كل عام و انتم بخير.

فارس غرايبة

Sunday, 26 December 2010

سخرية الألم


      اعتاد مسكين على زيارتي بين الفينة و الأخرى، يحدثني عن أحواله، رغم أني لا ارغب بالحديث عن علاقتي به إلا و للتوضيح فقط، فقد دأبت على مساعدته بما أستطيع.
      أحمد لطيم ما عرف أبويه، إذ تربى و أختاه في ملجأ الأيتام حتى بلغ سن مغادرة المكان، فسعى أن ترافقه أختاه في الحياة خارجا، و كان كما أراد، و ذهب و استأجر سكن لهم جميعا كان عبارة عن غرفة متهالكة، عمل جاهدا لتجميع بعض قطع الخشب و الصفيح من الجوار ليسد فتحة كانت اعتبرت باب تلك الغرفة التي بالكاد تصلح للعيش الآدمي.
      كان بالملجأ لا يعبأ بمتطلبات العيش البسيطة، من طعام و بعض لباس، أما الآن فهو يحتاج لإيجار و طعام و وقود للطبخ و التدفئة، حار أحمد الذي ما تأهل يوما لأي عمل، فما كان أمامه إلا العمل كبائع على بسطة متواضعة في أي مكان، و بنفس الوقت كان يحصل على أربعين دينار معونة من الشؤون الاجتماعية، بعد أن تمكن بعد عناء من شراء بعض ما يعرضه على بسطته ليبيعه، صدم بمصيبة جديدة كانت بمقدارها مصيبة المصائب له، رسوم ترخيص البسطة، و البالغة لسخرية الألم أربعون دينار كذلك، فهاهو أحمد ينتظر الشهر التالي ليستلم المعونة التي سيعاود دفعها ترخيصا لبسطة الحياة، و انتظر الشهرين دون أي دخل فالشهر الأول اشترى البضاعة و الشهر التالي ليدفع الرسوم، و يعلم الله كيف عاش هو و أختاه تلك الأشهر، و كان كما خطط فاستلم المعونة و دفع الرسم و افتتح أحمد بسطة الحياة، كله أمل و طموح، كيف لا و هو يحلم منذ شهرين بمشروعه الذي ما وجد سبيلا لغيره.
      بعد مدة تعرض أحمد لمشاكل صحية إذ شخصت حالته بمرض بالقلب، و ما كان أمامه إلا أن تعطل عن بسطته التي كان ليؤمنها يوثق ربطها بجنزير من الحديد و قفل بأحد محال الخضار القريبة كلما أقفل عائدا إلى بيته، و لغيابه بسبب المرض جاء أحدهم ليلا و سرق بسطته التي كانت عبارة عن عربة خشبية تسير على ثلاثة عجلات، و فوق علته المسكين ألمت به مصيبة فقدانه لمصدر رزقه الوحيد، وعاد أحمد إلى ما دون الصفر.
      عاود و بإصرار المستميت، كيف لا فالموت جوعا و الضياع مآله دون ذاك، و وفر من معونته لشهر واحد هذه المرة إذ كانت لديه البضاعة و الترخيص إلا انه لملم شتاته ليؤمن ثمن العربة الجديدة، و بدأ أحمد من جديد.
      مرت سنين و سنين و كبر أحمد، في تلك الأثناء كان قد تعرف علي، و أتاني يوما يعلمني برغبته بالزواج، إذ أن إحدى أختيه كانت قد تزوجت و بقي هو و أخته الصغرى، و أعلمني أن هناك فتاة تحدث مع والديها خاطبا فأجابوه قبولا، فباركت له و هنأته، و تزوج أحمد بعد فترة قصيرة من حديثي معه من تلك الفتاة.
      مضت اشهر حتى عاد لزيارتي، هذه المرة كان أحمد يكاد يطير فرحا، فدخل إلى مكتبي مغتبطا و يبكي فرحا، و بصوت عال و ببساطته المعهودة صاح أحمد: باركلي، فباركت له مستفهما عن الأمر، فأجابني أحمد: الله الله يطول عمره يا ربي. استفسرت: مَن و ما الموضوع يا أحمد؟ فأجاب: الملك ..... الله يا ربي ..... أنا بحبه، أعطاني بيت، بيت فيه أكثر من غرفة حتى فيه حمام داخل البيت، و الله يا ربي يطول عمره. و اخرج أحمد مفتاح البيت من جيبه و أوراق ملكيته، و طلب مني صورة للملك ليعلقها على الحائط بالبيت.
      بعد فترة أتاني مغتما متألما مهموما و شعرت بحسرة في ملامحه، حدثني عن الخطب إذ أن أخته المتزوجة تطلب الطلاق، لأمر استحلفني كتمانه فما أستطيع أن أقول إلا انه أمر لا يطاق اشمأزت له نفسي و اقشعر لوصفه الأحداث بدني، و كأن الفرحة تهرب من أحمد، أو أن بينه و بينها عداوة أو أنهما ضدان لا يتفقا.
      مرت فترة حتى عاود زيارتي، و في هذه المرة فرحة خوف تعتري وجه أحمد، و بصوت خجول كمن اقترف الذنب اللذيذ، و بصوت منخفض أعلمني أن زوجته حامل، و علت وجنتاه حمرة خجلة و ارتسمت على فيه ابتسامة منتصر، كان هذه المرة يحدثني و في أنفاسه نضوج غريب، و فيض من رجولة استمدها من إثباتات حسية ملموسة واقعية لا مجال للشك بعدها فها هي زوجته حامل، يعلم الله كم عانى المسكين الهمز و اللمز لتأخره بإتمام هذه المهمة و كم شكك من حوله بقدرته.
      في آخر زيارة، دخل أحمد علي و هو أب، أناظره و هو يصف طفلته، أحاطته فرحة لم استطع لملمتها، و حارت كلماتي لتصويرها، كلما تحدث عن (منى) قفزت من عينيه دمعة فرحة تراقصت على خديه، يحدثني و يتساءل هل سأراها تتكلم؟ أو تقرأ؟ يا الله لو أني أعيش حتى أراها عروس، أكيد إذا أنا مت فأمها ستكون موجودة لأنها اصغر مني سنا. كان و كأنه يعدد كل ما حرم منه و تمناه لابنته، فما كان احد من أبويه حينما تكلم أول كلماته، و ما قرأ لأحد يوما، و تزوج وحيدا. و طغت فرحته على خبر فقدانه عربته مرة أخرى، إذ انشغل عنها و غاب مرة أخرى ليتابع أمر صحي الم بابنته الرضيعة فقد أصابها التهاب السحايا، لكن هذه المرة كان يتحدث و كأن كل ذاك غير مهم لا العربة المسروقة و لا الالتهاب و لا صورة الأشعة المطلوبة للتأكد من خلع الولادة، كان كل ذاك ليس بذي شأن عند أحمد هذه المرة، و كأنه مخمور أو منتش لفرط الغبطة في قلبه.
      خرج من مكتبي، جلست انظر الطريق و الجسر القريب، أناس أثقلت كواهلهم هموم جمة، بعضها بسيط و غيرها معقد و ثقيل، اختلطت علي المعاني، فمنهم من يعاني قلقا مزمنا و آخر يفرحه ابسط البسيط، هل للترف يد في اضمحلال ما يفرحنا إذ أصبحت الأمور البسيطة التي يكد غيرنا لينالها ليست ذات شأن بحياتنا فما عادت تفرحنا؟ هل الحاجة تولد الفرحة و تبسطها فبذلك تكثر أسبابها؟ 


فارس غرايبة

Saturday, 11 December 2010

رأس المجلس حيث أجلس


      أصر أبوه أن يسميه عوض ( عوظ ) على اسم جده، و امتعضت أمه نفيسة ( ناني ) و حاولت جاهدة أن تقنع أبو عوظ بان الاسم ما عاد من الأسماء الدارجة، و اقترحت أسماء كثيرة إلا أن الأب أصر و ألح، و على ما عزم الأمر نفذ و سجل الوليد باسم عوظ، رغم أن ناني هي ابنة عم أبو عوظ إلا أنها لم يعجبها الاسم أبدا.
      كبـر عوظ و ترعـرع على انفصـام شخصيـة و تنازعـت أفكاره بيـن نانـي و أبي عوظ، إذ كانـا بأفكارهمـا نقيضـان، فأبي عوظ أراد حياة كما ألفها ببيت أبيه و على ما كان عليه طول عمره، أما الأم ناني فما انفكت ترفض كل ما كان، فهي تنزع إلى الانسلاخ ولو شكلا عن ما كانت هي و كل من حولها عليه ببيت أبيها خلف، فحينما تذهب للسوق تحاول جاهدة ألّا يكون زوجها معها لأنه بـيـفـضـحـنـي ( بيفدحني ) وين ما كنت، ففي يوم اشترت ( بوفيه ) للصحون لتضعه بغرفة السفرة، و حينما عادت بما اشترت أصر أبو عوظ أن نفيسة اشترت نملية لتضع بها المواعين، و ناني يثار جنونها و طوال الليل تناقش أبو عوظ أن هذه بوفيه و بها طقم ( تئم ) صحون، إلا أن ذاك ما غير بأبي عوظ أي شيء فبقيت النملية تحتوي المواعين.
      دخل عوظ المدرسة، فاشترطت ناني على أبي عوظ أن يشتري لها سيارة كي لا يضطر عوظ للذهاب بصحبة أبيه إلى المدرسة و يختلط بمن تعرفهم هناك، فما كان من أبي عوظ و لكي ينهي طنين النحل ليلا نهارا برأسه أن يشتري سيارة لناني، و باتت ناني توصل عوظ الذي أفهمته أن اسمه (أود) و ليس عوظ كما اعتاد بالبيت، في احد الأيام اخذ عوظ و من بعيد ينادي يُمّاااااااااا فاحمر و ازرق وجه ناني و أسرعت لعوظ و أسكتته، و سرت بأذنه يا أود هون بتناديني مامي إياك أن تناديني يُمّا أبدا، فما كان من عوظ إلا أن انصاع لطلب أمه التي تحولت من يُمّا الى مامي، و في يوم اجتمع به أهالي الطلاب جاء عوظ و بصوته المرتفع نادى مامي مامي، أبوي ليه ما أجا هاظ اسمه مكتوب عالبطاقة؟ فابتسمت ناني ابتسامة المنحرج و التفتت لتتأكد إن سمع احد ما نطق به عوظ، و بقيت ناني تتقمص شخصيتها المغلفة فكلما سمعت عن ماركة حذاء أو رداء جديد إلا و كانت أول من يشتريه، و هي بسذاجتها تظن أن القشور تغير الجوهر.
      استمرت ناني بأسلوبها أياما و اشهر، حتى انقضى العام و أتى آخر، لكن هذا العام الجديد قدم و في جعبته مفاجأة، و هي أن ابن عم ناني الثاني قد ادخل ابنه نفس المدرسة، مدرسة عوظ، و يا ويلك يا ناني فها قد أتى من يعرف البئر و غطاه، و منذ أن عرفت ناني بذلك ما نامت أبدا فبقي يؤرقها الأمر، ليس أمر ابن عمها بل أمرها هي، التي توهمته و خلقته لنفسها و هي لا تدري أن ما من احد يلتفت لتصنعها و تلونها إلا من كان على شاكلتها منسلخا منفصما يعاني أمراض الوهم و عصفات السخف السرمدي، و في اليوم التالي خرجت ناني على أبي عوظ بفكرة قد تنقذها من إستيهامها، و أفضت لأبي عوظ عن رغبتها بنقل ابنهما من هذه المدرسة، حار أبو عوظ و استهجن فاستفهم لماذا باستغراب!! طالبا أن تعلمه بالسبب، فأجابته عن السبب الصحيح من دخول ابن عمهما تلك المدرسة و ما قد ينتج من فضح أمرها، نظر أبو عوظ مستعجبا ورد، يا نفيسة كل تصرفاتك هذه عرفتها منذ زمن و ما أعجبتني يوما، و سكتّ على مضض علك تفهمين، إلا انك أمعنت و واصلت بتمثيليتك الوضيعة، يا بنت الناس ما عاب أباك يوما نطق لسانه، و ما كانت أمك يوما إلا فاضلة بتصرفاتها لا بلكنتها، اسمعي يا نفيسة عوظ ابني و لن يكون يوما إلا ابني المعروف من هو أبوه و من هم أهله و إن كان هناك ما يعيبنا سيعيبه، و ما يوم عاب الإنسان لكنة أو لون أو شكل، أنت معنا إن أردت أما إن كان أصلك يحرجك فلا اقبل تغيير أصلي و لك الخيار إما أن تبقي أو تنسلخي.   
      كبر عوظ مثقلا برواسب طفولته، فكانت حياته خليط متأرجح بين النانية و العوظية، فبليال تقرأ له أمه (أسه) عن أليس و سندريلا و ليال أخرى يحدثه أبوه عن قصة حديدون و نص انصيص،  و عاش في حيرة إرضاء كل من الفريقين، فكل تصرف يحسب عواقبه تبعا للمذهبين و ليس لصحة التصرف من عدمه، و ما تجاوز يوم بحياته اضطرابات قراراته حتى البسيطة منها.

فارس غرايبة

Sunday, 5 December 2010

الضاد


      يجافي النوم جنبات من خانته فصاحة لسانه في التعبير عن مكنونات خلجات لبه لركاكة في لغته، ليس نقصا في مفردات تزخر بها لغته بل تنصل في الغابر من الأيام و توغل في إتباع الهوى و سعي وراء مظهر امتد على مر الدهر، فكان يتبجح و يتمجح كل من تلعثم بلسان القوي من الأمم، فقبل هذا الزمان سادت لغة الترك فكان يتحدث بها علية القوم فيما بينهم، و في يومنا هذا يتملق الخاصة و العامة سادة هذا الزمان و ينطقون بلغتهم كمن يلسّ مضغة في فيه.
      لا ضير في تعلم ألسن الخلق كافة، لا بل مما حمد و اثني على مبدعه، أما أن يصير نطقك بالعربية تعبيرا و معاملة نقيصة، فهذا كفران لا ممدوح، و منهم من يحاججك بأنها لغة لا تزخر بمفردات كافية للتعبير عن ما آل إليه علم هذا العصر، أقول لا أنت في خسر بل إنها لغة ما يشوبها أي معيب بل ما يعيبها ملسنيها من أبنائنا، فهي تزخر بتعابير عز نظيرها إن كان بالأدب أو الثقافة أو العلم، فمن منكم ينبغ بمعنى كلمة طرب إذ أن المغنى بهذه الأيام مبلغ الإرب؟ و أي من الألسنة نضح ظمأ الشعراء كما العربية؟
      و قبل كل هذا و ذاك، أي لغة مما تفقهون نزل بها ذكر من الله و كتاب محفوظ بأمر رب العزة؟ فإن غرب الزمان و طال، فاندثرت أمم و تبلبلت ألسن البشر، لساني محفوظ ما بقي الزمن و طال أمد الدهر.

فارس غرايبة

Thursday, 25 November 2010

كم كان جميل ذاك الزمان


      و هكذا ينقضي يوم تختزنه الذاكرة، نبتعد عن البراءة يوم، و نقترب من الموت يوم، بالأمس كان هذا الصوت الجميل للموسيقى الذي يصدر عن مركبة، لكن ليست كهذه المركبة التي تبيع اسطوانات الغاز، بل مركبة تبيع المثلجات اللذيذة، بألوانها الزاهية، و بأسعارها التي ندر من يعجز عن إسعاد ولده بشرائها ببضع قروش، أين ذهبت تلك النغمات السعيدة؟ هل خنقتها زحمة الزمان أم لم نعد نراها من وراء الدخان؟
      سئمت الأيام من الزحام، بسيطة تلك الأيام، مليئة بالضحكات و قلة الأرقام، كان الهاتف بالدكان و في بيت أو اثنين، أما اليوم فالطفل يحمل هاتف أو هاتفين، و لزيادة الهم مرتين أصبح يظهر رقم المتصل حتى بعد أن تنام، حتى إن أغلقته يبعث لك رسالة تنبهك باتصال فلان و فلان، مكتظة هذه الأيام.
      كان للشتاء أصوات و أنغام، و ذاك المزراب المعدني الصدئ يعزف أجمل الألحان، نبات الليل ندعو المنان أن نصبح على يوم ابيض لكي لا نذهب إلى المدرسة فبالغد امتحان، كم اشتقت لتلك الألحان التي خنقتها النوافذ الحديثة المعزولة بإحكام، و كأنما غضبت تلك الألحان فما من مستمع أو طربان فما عاد المطر يفرحنا لا بنزوله ولا بأي نغمات أو الحان.
      كم كان جميل ذاك الزمان، كنا نسير في أي مكان بأمان، أما اليوم فأخاف على نفسي و ولدي من أي إنسان، فياليت نعيد النظر بكلمة إنسان فما من أُنس بعد مثلما كان.

فارس غرايبة

Saturday, 13 November 2010

المستدفنون في الأرض


      بقصد أو بدون قصد، بمعرفة و ترتيب أو بجهل و استجهال، أصبحنا دون الدون من بين الشعوب، أصبحت كعربي تستجدي من كل الأمم معونة أو نظرة عطف، حتى لم يبقى بقعة على سطح الأرض إلا و تحتاج تأشيرة لدخولها، و تقف بمهانة في طوابير على أبواب السفارات تستجدي القبول، و كأنك دون الشعوب أو حتى لم تصنف كإنسان، لم يبق مكان إلا و ترانا نسعى للهجرة إليه شرقا و غربا.
      إذا ما تصفحت المواقع الالكترونية، تجد إعلانات باللغة العربية محصورة في ثلاثة مواضيع، أولها إعلانات عن صفحات الدردشة و التعارف البريء و غير البريء، ثانيها إعلانات عن تسهيلات الهجرة إلى كل أصقاع المعمورة، و ثالثها إعلانات الأبراج و ما تخبرك به عن أشكال حظك البائس و عن المصيبة الآتية إليك.
      أما الفضائيات، إن كنت تبحث عن برامج في المحطات العربية، فلا تجد إلا شيئين، و كأنما حكم عليك انك لن تستوعب إلا واحد منهما، فإما أغان و راقصات، كلها مصورة لمغن يغني بالعربية اهزل الشعر و أسقطه بلغة ركيكة، يركب مركبة فارهة لا تجد مثيلتها بمعظم دولنا العربية، أو بجانبه فتاة نادرة الجمال، عبث بها مشرط جراح التجميل أعوام و أعوام حتى هي نفسها نسيت ما كانت عليه صورتها، و كأن حتى أحلامنا انحصرت بالمركبات و الفتيات و للأسف هذا واقع و صحيح. و إما المئات من المحطات تكتظ بالشيوخ بكل لون و فكر، و تستشعر الحرب الضروس بين نوابغ التحليل و التحريم تنفيرا و ترهيبا، و جل نقاشاتهم تنحصر برد على الشيخ الآخر و نفي لما نقلوه عنه في المحطة تلك، و نقاشات عن كيفية رفع الأذان حتى أن الناس ما عادوا يعرفون لم يُرفع الأذان، فما لي و كيفية الأذان أليس الأجدر أن تحبب الناس بالصلاة أولا، كم جميل لو أن احدهم استبدل شعارات النار و دخولها، بالجنة و عدم دخولها، فمن أدرك سيفهم انه إن لم يكن في الجنة فسيكون في النار، لأنهما اثنان لا ثالث لهما، فإن كلمة ليس صادق مقبولة بينما كاذب منفرة و مغضبة.
      أما أخبارنا فتزخر بالمصائب من كل حدب و صوب، فلا تسمع عن أي حروب إلا في بلادنا، و ما تسمع عن تعسف و قهر يقع على غير أبنائنا، فيخرج لك من يحاورك بأننا مستهدفون، و كأن بقي أحد من الغباء ليستهدفنا، فما الداعي فهناك منا من توكل باستهدافنا ليل نهار، و كل مصيبة لا تأتي إلا من الخارج فذاك أصبح ذريعة لكل فشل و تقهقر نجنيه على أنفسنا.
      استحقرتنا كل الأمم، حتى كل ما يُنتج لنا في هذه المنطقة يُصنّع بمواصفات أدنى من أي مواصفة، من المنظفات إلى الكهربائيات و المركبات، حتى بطارية الحاسوب المحمول فهي لا تعمر كالتي تُصنع لهم، و أكاد اجزم أننا في تصنيف المواصفات لسنا حتى بالدرجة الثالثة لا بل دون ذاك بكثير، ناهيك عن التكلفة، فكيف يعقل أن ارزح تحت وطأة هذا الكم من الضرائب و بدخل دون مستوى الإنسانية أن تكلفني سلع الحياة الأساسية أضعاف ما يتكلفها أي شخص يعيش في تلك الدنيا؟  
      أمّا المعرفة، فكأنها من كوكب آخر، تسقط علينا كسفا من السماء، غريبة عنا بكل أشكالها، حتى مناهج تدريس أطفالنا نستوردها، و نبسطها تبسيطا لدرجة أننا نسلخ كل مفيد بها، و المؤسف إننا سلخنا عنها ما يخصنا و استثنينا كل ما يعزز بقايا ثقافة تمسك البعض بها، فما وجدت بكتاب ابني أي ذكر لفلسطين، لا بكتاب اللغة العربية و لا بكتاب الجغرافيا، فاستذكرت جمال كتابي في المدرسة، نعم كان مستهلك لأننا كنا نتوارث الكتب من الصفوف التي سبقتنا، نعم كان بلا غلاف رغم كل ذلك كان جميلا، كنت اقرأ فلسطين داري و درب انتصاري، و بحثت في المنهج المستحدث لا الحديث فما وجدت إلا عن آداب المرور و نظافة الأسنان.
      هل هناك من احد يصحُ معي؟ أم أننا لن نصحوا إلا على أصوات عويل الثكلى و صراخ المقهورين، أننتظر الويلات لينبهنا الألم، ماذا لو لم نصحوا؟ أهو سبات أزلي أم هناك من بوق نفير؟ أم أنها محاولات توأد باكرا فيبات صراخها كالنعيق؟ أم أن أبواق الجهلة ستعتبره مجرد نقيق ضفادع يحيا مع موسم الإخصاب لوهلة سرعان ما يزول؟  

فارس غرايبة

لا تقتلوا الشمس


      أين ضوء الصباح؟ هل قتلتم الشمس؟ أم أنها غضبت إذ أردتم أن تطفئوا نور حقها؟ ماذا إن حقا لم تأت؟ هل تستطيعون حياة صباح بلا دفء نورها؟ أمنكم من أوغل في التكبّر حتى ظن ذلك، لكنه لن يكمل أي صباح، أم منكم من اعتاد ظلمة الليل؟ و اخترق الظلام فؤاده حتى اسودت أيامه و باتت كالليل البهيم لا يرى إلا ما يريد فيسلط عليه ضوء مصباحه، فلا يرى إلا بما يأذن له نور ذاك المصباح الباهت الضعيف.
      ان أردت أن تطفئ نور الشمس لا تقتلها بل عش ليلك لوحدك فانا أحب نور الشمس لأرى الحق و ليدفئ قلبي فأبصر الحقيقة، ظالم نفسه من عاش في ظلمة و ظن أن الظلمة تستر عيوب فكره المريض، أو انه بالظلمة لا يرى سواه فيعيش في ظلمات الأنا و عجرفة الانطواء، حسرتي على كل من حرم نفسه دفء الحقيقة.
      كم هو مؤلم أن تعيش مجتهدا بالخير و العطاء دون إكراه أو منة، و يقابلك اقرب الناس إليك بالنكران و الاستخفاف، هل غشيت عيونكم ظلمة الكبر أم ظننتم أن احترامي لكم من ضعف؟ كلا، لن تذهبوا بي إلى سواد ظلماتكم كلا، كلا لن ابكي ظلمكم بل سأبكي تيه روحكم في ظلمة الحقد الدفين في نفوسكم الضائعة في ضوء المصباح البائس، أمّا أنا فسأبقى احتفي كل صباح بدفء نور الشمس و انظر فأرى كل حق حتى و إن غاب بالليل أبات على يقين أني على موعد مع ذاك الحق كل صباح.

فارس غرايبة

Wednesday, 10 November 2010

مهرجان انتخابي


      عوني و محمود شيخان يعيشان في بلدة حياة متواضعة، ما مر بحياتهما يوم إلا و التقيا به، عوني ضعيف السمع و يعتمد على محمود بإعادة كل ما لم يسمع بصوت عال، و محمود نظره ضعيف و كأن عوني هو عينه التي يرى بها.
      وصلت ذاك اليوم بطاقة دعوة لمحمود لكن نظره لم يسعفه ليعرف محتواها، فما كان منه إلا أن ذهب إلى صديقه عوني ليقرأ له محتوى البطاقة.


      محمود: يا عوني .... عوني.
      عوني: ها يا محمود مالك؟
      محمود: شوف شو هالبطاقة؟ ما عارف اقرأها، اقرالي؟
      عوني: بطاقة دعوة لمهرجان انتخابي يا محمود، بدك اتروح؟
      محمود: يا جهد البلا.... وين انشالله بدها سيارة؟
      عوني: لا هون قريب مشي بتوصل.
      محمود: اذا بتروح معي بروح.
      عوني: طيب بروح مشانك، بس مهرجان شو في يعني بكون؟
      محمود: اول مرة بيمر علي، انا باسمع عن مهرجان جرش، بس انتخابي!! اول مرة بسمع فيه.
      
      و على ذلك عزما الأمر أن يذهبا ليتعرفا على ما هو ذاك الشيء، و في الموعد ذهبا سيرا إلى ذاك المكان، و صدفا بطريقهما جموع من المدعوين ممن عرفوهم و ممن لم يعرفوهم، و ساقتهما الطريق إلى ذاك الصيوان الكبير الذي ترى الأضواء حوله من على أول الطريق، دخل عوني و محمود المكان مندهشين الأول مما سمع و الآخر مما رأى، و جلسا.

      عوني: ا ش ا ش اش .... شي فخيم يا محمود و الله كانه وزير بده يجي.
      محمود: سامع سامع يا عوني، لا مش وزير هذا مرشح للانتخابات، سمعت زيد الهامل بقول انه مشان مرشح الانتخابات.
      عوني: و الله اشي منتاز، مين المرشح؟
      محمود: ما عرفت، بس شكله ناجح لانه برضه زيد قال انه في كنافة.
      عوني: و الله كنافة، منتاز منتاز.

      و بعد دقائق دخل المرشح المكان فقام الجميع بالتصفيق و التصفير و منهم من هلل و رحب.

      محمود: شو في مالهم بصيحو و بزقفو؟ اجت الكنافة؟
      عوني: ماني عارف، مش عارف اشوف ما كلهم وقفوا و ما قادر اشوف شو في!!

      التفت اليهما شاب بجانبهما و اعلمهما ان المرشح صاحب الحفل قد وصل.

      عوني: لا يا محمود مش الكنافة، اللي اجا المرشح.
      محمود: يعني ما فيش كنافة؟
      عوني: اصبر يا اخي شوي بلكي اجت الكنافة بجوز يوزعوا اشيا ثانية اصبر ان الله مع الصابرين.
      محمود: لا اله الا الله، ع الله اتكون خشنة.
      عوني: يعني فارقة معك خشنة و الا ناعمة؟
      محمود: لا و الله بس يعني الواحد بتمنى.

      بعد لحظات بدأت الخطابات و الاشعار و الاغاني الحماسية، و محمود و عوني يصبران نفسيهما.

      عوني: شو بيقول اللي بسولف؟
      محمود: حكي زي التلفزيون بالاخبار و الله ما ني فاهم شي.
      عوني: طيب قال اشي عن الكنافة؟
      محمود: لا بعده و لا جاب سيرة.
      عوني: بالك فلم و اكلناه، يا خوفي طرقنا المشوار ع الفاضي و شوي بنروح متعشيين خطبة و متحليين قصيدة.

      و ما ان انتهت الخطب العصماء و الاشعار، و إذ بالكنافة تدخل من طرف الصيوان.

      عوني مبتسما: مش قلتلك ؟ هاي لكنافة اجت.
      محمود: ها و الله؟ خشنة؟
      عوني: بعيدة بعدها، ما شفت.
      محمود: انا سامعهم بقولوا خشنة كيف انت مش شايف، و انا امفكرك زرقاء الحمامة.
      عوني: اسمها زرقاء اليمامة.
      محمود: ها كنافة ناعمة؟
      عوني: يا زلمة اسكت فظحتنا.
      محمود: اللهم طولك يا روح.

      وصل الدور إليهما بالكنافة، و أكلا حصتهما و غادر الجمع وحدانا و زرافات و من ضمنهم عوني و محمود.
و في طريقهما مقفلان إلى بيتيهما.

      محمود: شو اسمه؟
      عوني: الوادي الاحمر.
      محمود: وادي شو يا عوني بقول شو اسمه؟
      عوني: النجمة او لبيبة.
      محمود: يا زلمة شو بتخبص، بقولك شو اسم المرشح؟
      عوني: ها المرشح..... ايه ايه و الله ما عرفت، يالله بس الكنافة طيبه.
      محمود: اه بس لو زايدين القطر شوي، ول عليهم ما ابخلهم، نقطة قطر ما حطو عليها.
      عوني: شايف شايف.
      محمود: لا مش شايف ما انت عارف اني بشوفش.
      عوني: يا محمود جيب البطاقة، بلكي عرفنا اسم المرشح.
      محمود: البطاقة معك، انت الي قريتها و تركتها معك.
      عوني: شكلي ناسيها.
      محمود: استنى معي المغلف، بلكي عليه الاسم.
      عوني: هات اشوف، مكتوب على المغلف السيد منير عوني المحمود.
      محمود: مين؟
      عوني: محمود هاي الدعوة مش الك هاي الدعوة لمنير ابن عوني المحمود.
      محمود: يعني مش الي؟
      عوني: لا مش الك، اصلا انت وجه مهرجانات؟
      محمود: ما شا الله عنك تقول البطاقات بتيجيك زيح.
      عوني: ليش هو انت مسجل بالانتخابات؟
      محمود: معيش بطاقة اصلا.
      عوني: طيب طيب، فوت ع دارك هيّك وصلت، تصبح ع خير.
      محمود: و انت من اهل الخير.

فارس غرايبة