Monday, 22 August 2011

ليست الشعوب هي المندسّة


منذ أيام و أثناء متابعتي لمحاكمة حسني مبارك، استغربت طلب أحد المحامين إجراء فحص للتأكد من صحة شخصية المتهم، و أنه هو حسني مبارك بالفعل أم لا، إلا أنني و بعد وهلة استدركت بعد استقراء شعور ذاك المحامي، معذور فهو كما كلّنا أمضى كثيرا من سني عمره يدرس و يسمع و يقرأ و يشاهد حتى أصبح هو نفسه يتحدث بنفس وتيرة التمجيد و المديح المتصل للسيد الرئيس، الملهم البطل صاحب الفكر النير المستنير، الإنسان الراعي الحاني صاحب القلب الكبير، الرئيس الذي أوصلته الأبواق إلى مراتب الآلهة و الأرباب "حاشا لله"، فنازعت نفس ذاك المحامي الكفر بكل ذلك، فكان أسلم لعقله بدل التخلص من ذاك الكم الهائل من الصور و التصاوير أن ينكر أن هذا الشخص هو نفسه صاحب الصورة المغايرة لما زُرع في ذهنه و أن الماثل في قفص الإتهام ليس هو، لأن ذاك الموصوف لا يمكن أن يكون كهذا أو وراء القضبان. و أتابع كل ما يدور حولي مقارنا بما مر علي من نظريات و تنظيرات، قواعد و فلسفيات، محاولا الإستلهام لاستقراء أي شيء.  
          فالشيخ "أفلاطون" و على لسان "جلاو كون" قال أن القوانين هي نتاج العقد الاجتماعي، و هذا العقد إتفاق الناس على الوسيلة التي تحول دون ارتكاب الظلم، أي تعاقد الناس على التنازل عن الممارسة الحرة لإراداتهم مقابل حماية أرواحهم و مصائرهم. يا شيخ إذا ما عاد أحد من اطراف العقد يحترم هذا التعاقد، لا بتصرفاته و لا بكلامه، نفهم أنها فرطت؟ و بصراحة شرد ذهني حيرة فيما قاله الشيخ "أفلاطون" عن أن العدالة تتحقق بالارتفاع بعقلية المواطن و رغباته نحو الكمال.
          و عاد الشيخ بكتابه "الجمهورية" و ذكر أشكال الدول من الدولة العادلة و دولة الاستبداد مرورا بالدولة التيموقراطية و الدولة الاوليجاركية و الدولة الديمقراطية. اسمحلي و بتواضع أضيف الدولة الهلامية أو دولة "الجيلو"- الجيلو: تلك الحلوى الهلامية الرخوة المكونة من "جيلاتين" و بعض الاصباغ السامّة- و عودة إلى موضوع دولة "الجيلو"، فهي تأتي بعدة ألوان منها اللون الأحمر أو اليساري و اللون الأخضر أو اليميني و اللون الأصفر أو العصى من المنتصف، هذه الدولة تتخذ شكل الوعاء المحتوي لها، لكن ما أن يُزال الوعاء تتكشف هلاميتها و تظهر على حقيقتها الهزيلة بلا قوام أو أي صلابة، لإفتقارها لأي مكونات غير الهلام "الجيلاتين" و الأصباغ السامة، فيتسنى لأي كان أن يعبث بها مشتتا لكيانها و كينونتها.
          السفسطائيون ربطوا كل الحركات بالفصاحة و أستعمال أصحاب الفكر الديمقراطي الفصاحة كوسيلة لتأليب الشعب على قلب الأوضاع. كلام واضح لكن هل حركات تدمير الفصاحة مقصودة لدرء هكذا خطر؟
           و يا عم "توماس مور" بالنسبة لجزيرة "يوتوبيا" أقول باختصار فعلا "المكان غير الموجود".
          و يا "توماس هوبس"، "اللوياثان" أصبح في كل مكان.
          جان لوك، اين انت يا رجل؟      
السيد كونج فو دزه أو "كونفوشيوس" في كتابه "التعليم الأكبر" ركز على أن الأسرة هي الركيزة في النظام الإجتماعي الطبيعي و "أحب لغيرك ما تحبه لنفسك"، يعني سبحان الله حسست أن "كونفوشيوس" يصف مجتمعنا تماما يعني الكل هنا يفيض "جن" و "لي" دخيلك لا تجنني، و أسأل أليس النظام الإجتماعي الطبيعي يحتاج لأسرة طبيعية؟
و للإختصار و إبعادا لملل الإسهاب، يحضرني قول "مكيافللي" إذا كان من الضروري لظهور موسى أن يكون الاسرائيليون عبيدا في مصر، و أن يضطهد الماديون أبناء فارس حتى تبدو شجاعة "كورش"، و أن يكون الأثينيون ممزقين متفرقين لتتجلى عبقرية "تيسيوس". أن تكون إيطاليا على ما هي عليه من أوضاع راهنة، و أن يكون أهلها مستعبدين أكثر من اليهود، و مضطهدين أكثر من الفرس، و ممزقين أكثر من اليونانيين، لا زعيم لهم، و لا نظام، مغلوبين على أمرهم، مسلوبة أموالهم، ممزقين، أذلاء. فإن من الضوري في الوقت الحاضر -وقت مكيافللي- الإعتراف بقوة عبقري إيطالي. تحضرني هذه المقولة لكن باستبدال الأماكن و الأزمان.
ختاما استشرف ما خرجت إليه من أن ليست الشعوب هي المندسّة. و لا يفوتني أن أعتذر من كل من ورد اسمه فيما كتبت، لكم مني كل الاجلال و الاحترام، لكن اعذروني فأنا واحد من هذا الزمان.
فارس غرايبة

Tuesday, 16 August 2011

آسف....لم أجد عنوان



منذ فترة وجيزة دعاني صديق للخروج معه إذ كان يزوره أحد معارفه، خرجنا في جولة مع ذاك الزائر في عمان، تعرفت على الزائر و عرفت أنه سوري مقيم في الرياض.
أثناء تجوالنا سألني الزائر هل أنت أردني أردني؟ فأجبته ببساطة، أردني حتى أجدادي الأربع من نفس العائلة، فما كان من ذاك الزائر إلا أن "جلّس" و تنحنح و غير نبرة حديثه، فبدأ يحمد بدماثة رجال الأمن العام و يشيد بنظافة شوارع عمان، و أنا بداخلي صدقا أضحك باكيا، حتى هذا استملكت تصرفاته و حديثه تلك الخزعبلات؟ من أين له أن يتحدث بهذه الطريقة و ما دافعه؟
نظرت إليه و قلت لا. نظرني مستغربا ما هو الذي لا؟ قلت له لا، لا يطريني كلام نفاق يحيد و يتلون حسب المجالس، لا أقارن بلدي بما هو دون، أقارن بلدي بما أتمنى أن يكون، حلم نعم حلم و لكن كم من الأحلام تتحقق، لا أقبل أن يقارن بلدي بشواذ الأمم و لا أقبل أن أقيس بمسطرة سالبة، و كما هو ولدي لا أقبل أن يكون فقط ناجحا بل إن لم يكن مبرزا أأنبه و أعاتبه خصوصا بعد الجهد و الجد و الاجتهاد، نعم حينما أرى أسم إبني على لوحة الشرف في المدرسة ينتابني شعور و كأن قلبي وصل بلعومي زهوا و فخرا.
نعم هكذا أحب بلدي و لا أقبل به أن يكون دون لوحة الشرف، بنفس الوقت إن تألم ولدي من وخزة شوكة لربما لا أنام الليل، و إن أغضبني أغضب منه لكن حذار حذار فأنا بنفس الوقت أكره من يقول لغضبي آمين.
عود إلى قصة ذاك الزائر، و لإستسخافي موضوع الحديث المدهون المعسول، سألته ما الذي يحدث في بلدك الآن؟ نرقب كل الأخبار، نتألم، نتفاءل، حدثني ما الصحيح؟ رد بأن كل ما نسمعه و نراه ليس صحيح و على حد قوله "ما في منو شي". و هنا رددت عليه أتريدنا أن نكذّب كل ما نرى و نسمع و نصدق شهادتك و أنت أصلا بحكم مكان إقامتك أبعد منا عن الحدث، و التفت إليه و سألته بنفس نبرته الاولى عن أصله من أي المدن في سوريا؟ فأجاب من اللاذقية، و "لأردها عليه" أقصد أن أرد عليه سؤاله اللابريء "أردني أردني"، سألته، و أعترف أن سؤالي لم يخل من الخبث، من هو الشيخ صالح العلي؟ رد و الاستفزاز باد على محياه، "أصلا الشيخ صالح العلي مو هو يللي كان صاحب السَورة، أصلا السَورة آمت من اللازءيه، و يللي كان آيدا جدي"، ابتسمت و عرفت كم للتاريخ بحياتنا أثر و جراح، و كم نتمسك و نتغنى به ربما لكوننا بلا حاضر. وصلت لمأربي و إن كان لبيبا فهم مقصدي من السؤال، مع شكّي، فكم أرسب التاريخ الهجين بالنفوس الضعيفة ضغائن صنيعة الغايات و المآرب.
كم جميل معرفة التاريخ للعبرة لا للعبور.

فارس غرايبة

Monday, 15 August 2011

حال و بأي عيد عدت يا حال


في صباح ذاك المساء البعيد، من زمن غابر سنتمدد فوق العشب الغض، تداعب افواهنا بعض كلمات تنساب عبارات لا نفهم من أين تأتي، نسمات وقحة تهب بين الفينة و الأخرى تداعب صفحات الوجوه و تتسلل بعضها تحت الرداء فتقشعر بعض شعيرات نامت منذ زمن، ينظر إلي نديمي و يعرض علي لفافة تبغ.
هيا أشعلها و انفث لن يشعر أحد صدقني أنظر كل تلك السحب و الغيوم تمر دون أن يكترث بمسيرها أحد.
أتدري الى أين تذهب السحب؟
نعم أدري، إمّا هي ذاهبة الى بيتها أو خارجة منه، كحالنا كلنا.
ما هذا التبغ؟ أهو تبغ أمريكان أم أفغان؟
يقهقه و يقهقه و من قهقهته عرفت الجواب، لا شك أنه ليس تبغ أمريكان.
بعد هنيهة من القهقهة المجنونة، فجأة تختفي الألوان، ما هذا من سرق الألوان؟ أسرقها من الأزهار و الورود و الاشجار أم سرقها من بين الحدق و المآقي تحت الأجفان؟
لا تخف ستعود الألوان، بعد قليل تعود لكن الأهم ان تدرك معاني الأشكال و الألوان.
يا صاحبي ما الذي يُغضب البحر؟
لِمَ؟ أهو غاضب؟
بالطبع غاضب من الشطآن، ألا تراه لا يكف صفعا لوجنات الشاطئ الحزين، مسكينة هي الشطآن.
ربّما هو غاضب لأن الشاطئ يكذب!
أيكذب الشاطئ؟
نعم يكذب ألا تراه يحدث أصدافه صبح مساء؟ إنه يعلّمها الكذب لتحدث كل من يسألها عن غدر الأزمان.
إذن هو إنسان.
من الإنسان؟
الشاطئ.....إنسان.
لا بد أن منتج الافغان فتك في لبك، الشاطئ إنسان؟
نعم، هو يكذب فهو إنسان.
يا صاحبي من قال أن الكذب صفة الإنسان؟
طبعا صفة انسان، أرأيت يوما أحدا لا يكذب؟
يا صاحبي الكذب من الشيطان و ليس الإنسان.
حرت و ربي من هو الإنسان و من هو الشيطان! إذا كان الكذب من الشيطان فكل إنسان يكذب شيطان، و كما أنّني لا أعرف من لا يكذب فكل من أعرف شيطان، أم أن الشيطان إنسان كاذب، أم أن كل كاذب شيطان، أم أن الإنسان شيطان و إنسان في آن؟
انظر تلك الغيمة كم هي سوداء.
كل الغيوم في الليل سوداء.
لا ليس كلها أنظر تلك الغيمة بيضاء.
نعم إنها بيضاء، و تتجه نحونا، و كأنها تلامس الأديم.
نعم و تقترب، اليست تشبه أمك؟
لا بل تشبه أبوك.
نعم تشبهه كثيرا، إنها أبي.
ماذا؟ أبوك غيمة؟ لو أدري ما أعطيتك تلك اللفافة، يا صاحبي ان كنت لا تحتمل لم تتجرأ؟
يا مجنون انها ليست بغيمة إنها أبي، أهرب أهرب.

 فارس غرايبة

Sunday, 10 July 2011

جخّة ع خازوق


القاعدة المستحدثة من واقع الألم اليومي تقول " أنا متخوزق فأنا موجود"، إن كنت لا توافق فإما أن تكون غير شاعر بالخازوق أو انك من أصحاب المؤخرة الحديدية الإنزلاقيّة أو انك غير موجود.
منذ أن ابتدع الأتراك أسلوب التعذيب و من ثم القتل بالخازوق، و هو يلازمنا بكل مناحي الحياة، و تتعدد أشكاله فمنه الزئبقي الذي يتسلل بهدوء و لا تشعر به إلّا بعد أن يتم الاختراق و هذا من أقوى الأنواع، و هناك النوع المزمن إذ ما أن تشعر بأنك تخلصت من خوزقته إلا و يأتيك بألف لبوس و لبوس، و هناك الخازوق المتشعب و هو شبيه بنبتة الصبار إذ تبذل كل جهدك في إزالة آثاره من أشواك إلا أن الخازوق الرئيسي يبقى و أنت في غفلة عن وجوده، و أكثر الأنواع شيوعا الخازوق المبشّم، و هو لا يمكن إزالته أو التخلص منه كونه مثبت بإحكام و ما ابتكر من حلول لم تنجح أي منها إلا حل التعايش مع واقع الخوزقة.
يخرج علينا كل يوم من يردد حكم و مقتطفات من أقوال العظماء أصحاب الفكر الخارق أو الحارق، فيكرر الجميع أقوالهم مما يعجب الأذن و لا يتجاوزها، منها ما يدعوك إلى عدم الاستسلام مهما "التعن سنسفيلك"، أو إن خسرت أو فشلت فإنك قد تعلمت احد الطرق الخطأ، و التي تقول إن السقوط يبين لنا كم كنا على علو متناسيا أي قعر وصلنا إليه. بربكم أتصدقوا هذه الخزعبلات؟ أيها الإخوة العباقرة الحكماء: خوزقتمونا.
من هنا ادعوكم و نفسي بالجخة ع خازوق، إذ إن الخازوق آت لا محالة، فجخ و استمتع و ابتسم و لا تحزن فكلنا متخوزق و كلكم متخوزقون.
  فارس غرايبة

Sunday, 19 June 2011

نحس شعبوي


أطالع كتاب سيرة مدينة لعبد الرحمن منيف، استحسنت ما وصلت إليه حتى الآن، لكن ما لفت نظري سرده لتصرفات الناس في ذاك الزمن (أربعينيات القرن الماضي) خصوصا حرصهم التكتّم على متابعتهم أخبار الحرب العالمية، و كيف كانت الغالبية منهم ميّالة إلى طرف المحور مناهضين للحلفاء.
استرعت انتباهي هذه الجزئية بالتحديد، و هي كيف أننا شعبويا نميل دائما للطرف الخاسر، لا اعلم هل هو يخسر لميلنا نحوه و كأننا نجلب له النحس الذي أصبح يصبغ كل نواحي سيرنا، أم أننا لا نميل إلا إلى من على شاكلتنا من المنحوسين فيزيدنا استنحاسا؟ أم أنّنا نفتقر إلى بُعد النظر، فلا نستقرئ الأمور و نضعها بنصابها الصحيح فنميل بالاتجاه الخطأ؟ أم أننا نعيش حالة مزمنة من المعارضة، إذ من المعروف أن الأردن رسميا كانت مع الحلفاء في تلك الحرب؟
عدت بالذاكرة و استعصرت صورا من البوم الأحداث ما أذكر منها و ما سمعت أو قرأت، فما وجدت بعصرنا الحديث أننا ملنا شعبويا إلى أي طرف تكلّل عمله بالنجاح أو حتى عدم الفشل، حتى أنني أصبحت على قناعة أن ما من داع لتحليل لتوقع نتائج أمر ما، بل بالإمكان الحكم و تحديد الطرف الخاسر بمجرد الاستماع و معرفة الميل الشعبوي، فيكون النجاح حليف الآخر و الفشل من نصيب المؤيّد صاحب الحظوة الشعبوية، ادعوكم للعودة بالتاريخ القريب و تطبيق النظرية لتحري صحتها.
رغم أنني لا أرى أثر لأي رأي شعبوي، في حال بقي مجرد رأي، فما هي إلا كأحاديث الحلّاق و صداه الذي ينتهي بـ "نعيمًا" التي يعلن بها انتهاء عمله، فأكاد اجزم أن ما من حلّاق يستطيع الصمت، أو أن أي من المُستَحلَقين يبدي أي اهتمام لحديث الحلّاق، فهو مجرد صوت يواكب الملل لتمضية الوقت و من باب المجاملة أحيانا.
فارس غرايبة

Tuesday, 31 May 2011

طز مرة ثانية


بعد عسر بالالهام و انكفاء متمخض عن احباطات متراكمة، أعاود الكتابة لا لأمر بل لزحام متخبط برأسي، فكم مانعت نفسي الكتابة لحموضة تلوي الأضلع بشعور اللا فائدة، إلا أنني أعاود إزعاجكم ببعض مما تراكم بخلجات اللب قبل أن يستحيل تصدعا و أرقا.
اسمع من حولي كثيرا من الشعارات، منها ما يطالب بالمواطنة و أخرى بعدم التمييز و غيرها باستكمال حقوق منقوصة، لكنني أرى أن نطالب بداية بإنسانيتنا، نعم إنسانيتنا فأنا الآن أداعب حروف هذا الجهاز على نغمات تصدح و تصدع من فندق قريب به حفل زفاف، أود أن اعتذر من صاحب الفرح، لأنني لا أفكر الليلة بأن اشغل جهاز التكييف، لأغلق النافذة، كي لا أسمع هذه الأغاني التي يراها البعض جميلة لكن عذرا منذ زمن ما سمعت ما يستحق هذه الحاسة، حتى بت أفكر بالاستغناء عنها اقصد حاسة السمع، و بعد قليل سيبدأ القصف العشوائي بالألعاب النارية التي تهز بيتي هزا خصوصا في ليالي الخميس، عذرا لدي أطفال ما زالوا يتمتعون ببعض براءة لم تغتصبها وحشية الزمن، فينامون بلا هم أو غم باكرا حتى بأيام العطل، هل كثير أن أطالب بحق أبنائي بالطفولة و إطالة أمد براءتهم؟
منذ مدة وجيزة احتجت لبعض الوثائق من جهات حكومية و غير حكومية، فانتابني ليس شعور بعدم إنسانيتي بل غمرني شعور "بحشريتي"، قصدي شعور أن تكون حشرة، كيف يمكن للعقم أن يصل لهكذا حد؟ استعنت بموظف لدي لمتابعة الإجراءات، قدّم طلب و أنا أقف بجانبه، سأله الموظف هل أنت صاحب العلاقة؟ فأشار له أنني أنا الواقف بجانبه صاحب العلاقة، فصاح الموظف: يا أخي صاحب العلاقة يناولني الطلب، ممنوع يا أخي. تدخلت بابتسامتي المعهودة الناتجة عن جملة من الاستغرابات، فأجابني الموظف بعد إعرابي عن استهجاني إذ كنت واقف بجانبه، و ما الفرق فيمن يناولك الطلب؟ فكان الرد: يا أخي من يومين ضُبطت عملية تزوير و نصب و احتيال بالملايين. فازدادت ابتسامتي عرضا تناسبا مع استهجاني، كيف بسبب ثغرة أو موظف فاسد مرتش تعاقب كل المواطنين بتعقيد الإجراء بعقم و سلخ التشريع عن الهدف من فرضه؟ لن أطيل عليكم حصلت على سند تسجيل واحد ذاك اليوم بطوله، على أي حال عدت و استصدرت تفويضا لمن يتابع الأمور بالنيابة ليس لأمر إلا لأنني أخاف على صحتي. و للأمانة باليوم التالي ذهبت إلى دائرة الأحوال المدنية و استصدرت أربع عشر وثيقة بين جوازات سفر لأبنائي و تجديد جواز سفري و شهادات ميلاد و أخرى، كل ذلك خلال اقل من ساعة من ضمنها ما أخذته الطريق من وقت. كيف؟ كيف يكون الإجراء هنا سهل و سلس و مُحكم لا يقبل الخطأ و هناك عقيم و مُحبط و معقد؟
ممنوع من الإدارة..... جملة نسمعها كثيرا، لا ادري أهي للهروب من النقاش أم فعلا ترى الإدارة أن من حقها التشريع من تلقاء نفسها؟ الموضوع أثارني حينما دخلت في أحد المرات النادرة محل تجاري لأتسوق لابنتي مضطرا، فكان صوت الموسيقى مرتفع لدرجة أني ما سمعت ردود البائع، و بعفوية طلبت منه أن يخفض صوت الموسيقى، فكان الرد "ممنوع من الإدارة" فورا غادرت المحل غير نادم أو آسف، استذكرت بعدها حادثة في واشنطن، إذ كنت انوي السفر بالقطار إلى ديترويت، لكن للأسف تأخرت عن موعد القطار دقائق، فأعلمتني الموظفة بتأخري، فأصررت على أن أكمل، و نظرت من حولي فوجدت ذاك الرجل و بيده جهاز لاسلكي و بسبب رواسب حياتي، ذهبت إليه لعله يفعل شيئا!! كأن يدخلني من هنا أو هناك!! فهو يحمل جهاز لاسلكي و كلنا أو على الأقل من بسني يعلم ما يوحي به جهاز اللاسلكي، فقال بكل بساطة: القطار تحرك، فاعتلى وجهي نظرة بؤس و حزن فيها كم هائل من الاستعطاف و ملامح الرجاء الصامت، فاخذ بيدي إلى القطار يغمرني شعور ممتزج بين الفرحة و النصر، إذ وجدت واسطتي صاحب النفوذ اللاسلكي الذي سيوقف القطار اللعين الأصم عديم المشاعر الذي كان سيغادر تاركا إياي خلفه وحيدا، فبعد أن اقتربنا من رصيف الركوب نظر إلي ذاك الشخص و قال: ألم تقل لك موظفة الاستقبال انك تأخرت؟ انظر بنفسك ها هو قطارك، ألا تراه يسير؟ تلك اللحظة أدركت كمُّ السذاجة التي تحيطنا لأفكار توارثناها، بحثت بقاموس انجليزيتي المتواضعة عن رديف لكلمة "بتمون" كي أعبّر له عن خيبة أملي بأني اعتقدت أنّك "بتمون أن توقف القطار" إلا أن قاموسي خذلني و تأجّل سفري لليوم التالي.
اسمحوا لي أن أخرج عن عادتي بتجنب بعض الجدليات خوف اختلاط الجدل بالدجل، أمور و تصرفات جمّة حولي ما عدت أفهمها. كيف نعتبر أنفسنا موحّدين و نحيط أنفسنا "سامحني يا ربي" بكمّ مهول من المستألهين؟ نعم لا يخالجني شك أن ذاك الذي يسفك دماء شعب أعزل بأطفاله و شيخه و شبابه لأجل بقائه فوق الجميع قد ألّه نفسه و استألهه مَن حوله.
في الوقت الذي شد أذهان الجميع ادّعاء أحدهم أن لديه تسجيل لرئيس وزراء مع احد الوزراء عن قضية تشغل كثيرين، ما لفت انتباهي و استنبع تساؤلاتي ليس فحوى التسجيل أو من هم الأشخاص المعنيين، بل كيف استطاع شخص عادي أن يسجل لرئيس وزراء يحدّث وزيرا؟ و كيف أن جُل اهتمام السلطات بما اعتقدوا أنّه ينقص ذاك المدّعي و هو الأمان و الحماية، و كأني استذكر مدير مدرسة يناجي احد الطلاب محفزا إياه بأنه لن يضربه، فبات الترغيب زوال الترهيب.
الآن ينحصر تفكيري بوقت انتهاء حفل الزفاف، فهاهو الليل قد انتصف كما الأسبوع انتصف، و الإزعاج مستمر للأسف.
فارس غرايبة

Saturday, 30 April 2011

آلام الشوق حرقت الجفون


مَن قال أن الموت كبير و يصغر؟ ربما، روع الحدث و صدمته تصغر و نصحوا مدركين، إلّا أن ألم الفراق تخبو حرقته إذ تُزاحمه نار جحيم الشوق المتأجج، نعم شوق يشقّ على أحداث الأيام أن تزاحم ذكراه، تشاغلنا أحداث ينبع من جوفها ذكرى مَن لو كان هنا بيننا.
شوق نصحوا عليه، شوق لتلك الابتسامة، شوق لهدوء الأمان، شوق لحكمة في زمن الرعونة، شوق لسنّة "ربّك بيسّر"، شوق لرصانة مواجهة الخطوب مهما عظمت بابتسامة تُبَرّد نار الحنق الجاهل.
كنت جاري أدخل عليك المكتب، تُحدّثني بكلمات أحيانا و بنظرات أحيانا أخرى، ألجأ إليك دائما رغم سنّي لكني بجوارك صغير أبقى.
مَن لي الآن؟ أثقل كاهلي بعض من ذاك العبء الذي كنت تحمله لوحدك، و لم أسمعك تشكو يوما، أمّا أنا فمن بعضه أصيح كل يوم. إن كان يجول في لبّي سؤال هو: كيف؟ كيف كنت تحتمل كل ذاك لوحدك دون انسحاب، تلكك، أو تململ؟
نعم، في الموت قهر و أيّما قهر، لكن ليس لمن يختارهم المولى عز و جل بل القهر لمن بقوا من بعدهم أحياء.
لم يرني أحد ذاك اليوم بدموعي تصبرا أبكيك، نعم، لأن القلب كل يوم ألما يبكيك، يضيق الصدر، ترتجف الحناجر، ترتد غصّة بين الضلوع كلّما اشتقت أن أناجيك.
ليس موعد الذكرى، و لا الصور أو الأصداء، ما احتجت لأي من ذاك ليذكرني، لأني أبدا لم و لن أنساك.
عذرا خنقتني العبرات.

ابنك فارس

Sunday, 3 April 2011

فلسفة في الفراغ


في بهو أحد الفنادق، في رحلة طالت مدّتها، و تلك الأيام كنت أتواصل مع الجميع، و خصوصا في تلك البلاد، إذ ما من تفسيرات و تأويلات لتصرفاتك سوى ما بدر، فإن ابتسمت لأحدهم رد الابتسامة دون تفسير و تأويل مريض لابتسامتك الأولى.
على أي حال صادفت فتاة و بدأنا بالحديث، لا أدري كيف وصل بنا الموضوع إلى الأحلام و ما هي، ففاجأتني بسؤالها: لم تعتقد أنك لا تعيش حلم الآن و الأحلام هي واقعك؟ أنت في حلم فعلا و أحلامك هي محاولة روحك الخروج من هذا الحلم.
التفت إلى رفيق سفري الذي جاء معي من عمان و قلت له: نحن في مكان خطأ، فلننسحب و بسرعة، و بعد انسحابنا الدبلوماسي.
سأل رفيق سفري: ما المشكلة؟
المشكلة أنها إمّا متعاطية لشيء ما أو أنها فاقدة لمعان التمييز.
عاودتني الذّاكرة لمقولتها، لم تعتقد أنّك في الواقع و لست في حلم، و حلمك هو الواقع و تحاول روحك بالأحلام العودة إلى واقعها؟ سؤال في مكانه، لم نعتقد أنّنا نعيش واقع؟ هل بسبب المشاعر؟ أو الآلام؟ فبالأحلام نشعر بذلك أحيانا، كثير ما كنت أبكي بأحلامي، و كنت أصحو و الدمع على خدّي، ما مدّة حياتنا مقارنة بأزلية الروح؟ إنّها أقصر بكثير من مدة أحلامنا مقارنة بحياة أجسادنا.
هل هناك ما يشير إلى زوال أو موت الرّوح؟ أنا شخصيا لم أجد، فالرّوح بالموت تغادر الجسد، كما ربط البعض الأحلام بالروح و مغادرتها الجسد أثناء النوم، لا أدري مدى صحّة التفسيرات للأحلام و أسبابها لكن ما من شيء يشير إلى فناء الروح.
لِمَ نربط أرواحنا بأجسادنا، فالحياة للأجساد و الأزلية للأرواح التي تعود لبارئها، فبالحياة نغذّي الأجساد و الأرواح، بالغريزة غذاء الجسد، و بالروحانيّات على اختلافها و تعدّدها غذاء الروح.
الموضوع شائك ضبابي و مضحك للبعض، لكن قبل أن تضحك أو تحكم فكّر و تعمّق، و ابتسم بعد ذاك بروحك لا جسدك.

فارس غرايبة

Wednesday, 30 March 2011

رغم الأمبليه كانوا يبتسمون


      في خضمّ هذا الفيض الجّارف من أعاصير التصنّع السّاذج، و ابتذال الوطنيّة و الانتماء، إستَعصفت ذاكرتي قصّة عن شخص قريب منّي أشدّ القُرب ما مِن اقرب لي منه دما، كان تلك الأيّام ضابط شرطة في جرش، تلك الأيّام كانت سنة سبعين من القرن المنصرم، و معظمنا سمع عن ما حدث تلك الآونة خصوصا في جرش، حينما اقترب موعد الحل من انتقال الطّرف الآخر و ترتيبات خروجه، حدث أن أحد أعضاء الطّرف الآخر تواصل مع ذاك الضّابط موصيا إيّاه ببقيّة أسرته، من زوجة و أطفال الموجودة آن ذاك في عمّان و مدى خوفه عليهم، طمأنه الضّابط واعدا إيّاه بالتّصرف دون أن يُقسم بإله عظيم أو شرف مصون، صرّح ذاك الرجل للضّابط بكلمة إشارة، كان اتّفق عليها مع زوجته أن من ينطق بها أهل ثقة و عليها طاعته، و بعد أيّام من رحيل من كانوا بالجبال إلى الحدود السوريّة، ذهب ذاك الضّابط بلباسه العسكري إلى مكان أسرة الرجل ذاك ناطقا لزوجته بالكلمة الإشارة، و اخذ الزّوجة و الأولاد مجازفا بكل شيء نعم كل شيء، و نقلهم إلى الحدود و أمّن خروجهم، و بعد أن مرّ الزّمان و أصبح هناك سلطة فلسطينيّة، إذ صار الرجل مديرا لشيء ما هناك في السّلطة بفلسطين، و أصبح بالإمكان دخول الأردن، فما كان منه إلا أن سعى للتّواصل مع ذاك الضّابط، لم نسمع تلك القصّة من الضّابط القريب بل من ذاك الرجل الآتي من فلسطين، لم يذكرها لنا القريب يوما لم يجاهر بها أبدا، ليس خوفا من شيء فنحن أقرب من أن نُفشي سرّا إلا أنها المروءة التي تمانع صاحبها التبجّح و التّفاخر، نعم كانا مختلفان كل الاختلاف بالمبادئ و الأفكار، لكن جمعهما شرف العسكري، ذاك الضّابط الآن في دار الحق رحمه الله، و الآخر حيّ يرزق أمدّ الله في عمره، بعضكم سيعرف من أقصد رحمنا الله جميعا.
      إخواني، أريد أن أشير إلى بعض ما استخوفكم الآخرون منه، و روّجوا لأن تؤول الأمور لغيركم، بالوزارة السابقة "وزارة سمير الرفاعي" كان كل رؤساء السّلطات الثّلاث التنفيذيّة و التشريعيّة بشق الأعيان منها و القضائيّة من أصول ليست شرق أردنية، و لم يختلف الوضع عن ما كان عليه في الأيام التي كانت به رئاسة السّلطات غير ذاك، قصدي من القول شقّين، الأول أن الأردني شرقيّا، غربيّا، أيّا أصله كان لا يضيره ذلك إن استصدق نفسه، و الشق الثاني أن الأردني لم يكن يوما عنصريّا إلا أنّ لعنة الله على شياطين الإنس و الجن، و لا يجوز أن نحكم على خلق الله حسب أصولهم أو أسمائهم أو حتى أشكالهم بل حسب أفعالهم أفرادا.
      تعاود الذّاكرة و تطفو أمامي قصّة حدثني بها صديق مصري، هذا الصديق من الضبّاط الذين شاركوا بحرب اليمن، عفوا لا تظنوا أنني بذاك العمر فهو صديقي رغم فارق السّن كما أنّني أصادق ابني، كان ذاك الصّديق قائد قطاع في الجّيش المصري، و كانوا مُرابطون في موقع يحاربون ضدّ أتباع الإمام، حسب وصفه كانت المنطقة شديدة الوعورة و كان هناك احد أتباع الإمام قنّاص ماهر، يباغتهم كل ليلة فيقنص من العسكر كل مَن بدا له، و في النّهار يختفي و لا يظهر له أثر، و كان من الحرص أن يختفي كلّما شعر بأي خطر و يلوذ بجنح الظّلام، فأعلن الضّابط صديقي أنّه سيمنح مكافأة لمَن يخلّصهم من ذاك القنّاص، فأعلن أحد الموجودين وهو شاب من اليمنيين الملتحقين بالقوّات المصرية عن استعداده للقيام بالمهمّة، فما كان من صديقي إلا أن أكّد عليه مستفسرا عن قدرته، إلا أن ذاك الشّاب اليمني أصرّ و أكّد على قدرته، فما هي إلا أيّام و ما عاد لذاك القنّاص وجود، و أتى ذاك الشّاب مطالبا بالمكافأة، أصرّ صديقي الضّابط عليه أن يعرف الطّريقة التي تمكّن من خلالها الوصول إلى ذاك القنّاص، فما كان من ذاك الشّاب إلا أن أجاب "إن ذاك القنّاص أبوه"، إقشعرّ بدن صديقي لمّا سمع ردّ ذاك الشّاب، و في اليوم التّالي، كانت المدفعيّة أمام مهمّة قصف لمواقع أنصار الإمام، فما كان من صديقي إلا أن أعطى آمر المدفعيّة إحداثيّات موقع تمركز ذاك الشّاب، فالتفت آمر المدفعيّة يعلمه أن الهدف صديق، فاخبره قائلا بلهجته المصريّة " اضربه ده باع أبوه بكم ارش حيبيعك ببلاش اضرب" فكانت نهاية ذاك الشّاب، ذكرت هذه القصّة تأكيدا على أن الحكم على النّاس بجريرة بعضهم حتى مَن مِن صُلبهم خطأ أحيانا.
      إخواني، رحم الله أجيال الأيّام الصّعبة، أيّام الأمبليه، الأمبليه لا أعرف أصل الكلمة لكن للتوضيح هي عملية الدّوس مرّتين على "الكلتش" بين كل تبديل للسّرعة و بين كل سرعة و أخرى، رغم الأمبليه كانوا يبتسمون.


فارس غرايبة



Monday, 28 March 2011

فقعت معي و معصب


      بداية اعتذر عن كل ما سيبدر منّي لاحقا علما أنني لا أعرف ما هو لأني لم أبدأ بعد، إلا و لأنّني معصب و فاقعة معي أتوقع أنني ممكن أزعّل أو أنرفز أحد، فسامحوني مقدما كما اعتذرت مقدما.
      دخلت الحمّام و عادتا تأتيني الأفكار الشيطانيّة هناك، لا أدري هل هو من وحي الرّائحة، أم من جرّاء الشّد العصبي المرافق كون كل طعامنا غير صحّي حسب كل جماعات الطّعام و الغذاء، نظرت فوجدت نفسي احمل معي و بالحمّام هاتفي النقّال، سرحت لوهلة و استدركت مهامّي لكن منظر الهاتف بيدي علق في ذهني، خرجت بعد أن أنهيت متطلّبات نداء الطبيعة، و طفقت أفكّر، لم أُغلق هاتفي النقّال منذ أن بدأت الخدمة "خدمة الهواتف النقّالة مش خدمة العلم" بالعمل في الأردن، لست متأكّد لكن حسب الذّاكرة المتواضعة التي أتمتّع بها، منذ عام 1996 إلا و للأمانة سويعات السّفر بالطائرة التي كنت مكرها على إغلاقه بها لا بطل، و فكّرت ما هو الخبر العظيم الذي انتظره؟ بحياتي ما تفاجأت بشيء علما إن أراد أحد أن يفاجئني استبعد أن يكون ذلك عبر الهاتف، بحياتي لم اربح شيء من جوائز البنوك أو المحال التي نجلس بالساعات نملأ كوبوناتها فلن أتلقّى اتّصال من أيّ منهم، و كذلك إن أرسلت أي من الموظفين لإجراء ما لن يأتني بخبر غير "الشغلة مش ماشية" مش ماشية ليس لأي خلل بها أو نقص بإجراءاتها بس مشان هيك، فاضّطر أن أنبّش في قائمة الواسطات المعدّة مسبقا لتدارك الأمر قبل أن ينصب جام غضب الإجراءات التي لم أفهم أي منها بحياتي محاولا حل الموضوع من هون و هون، و كلّكم فاهمين عليّ و دخيلكم ما حد يعمل حاله عايش على القمر و مش فاهم، و كالعادة الواسطة لا يعاود الاتّصال فأنت كمستوسط "نعم مستوسط مش خطأ مطبعي و مش قصدي مستوطن و خربطت" و الحلقة الأضعف، لزاما عليك إعادة الاتّصال و الاستفسار عن شو صار؟ و تتسلسل الإجابات دائما: من ما رد على التلفون، تلفونه مغلق، باجتماع و بيرجع يحكي، و و و تتسلسل حتى يا أخي حل عنّي، كل هذا التفكير و لم أتجرّأ و أقدم على خطوة إغلاق الهاتف حتى الآن، هل هذا مرض نفسي موصوف؟ علما انه كانت الحالة مستفحلة قبل النقّال عند كل المستوزرين ببلدي، إذ ما تنطلق إشاعة تعديل أو تغيير وزاري إلا و تجدهم كلهم مرابطين بمنازلهم بانتظار الاتصال، لكي لا تفوتهم الفرصة لسبب سخيف كأن يكون خارج البيت، كأن من سيطلبه لن يستطيع "ينبش عليه جدايل القرود الزرق و يجيبه"، علما أن هذه العادة كانت تساهم بالحد من أزمة السير في عمان، اكتشفت أن هذا النقّال مصدر للأخبار السيّئة فقط لا غير، مهلا ليس الهاتف السبب، الأخبار السيّئة هي السبب، حتى بدون هاتف نقّال أو ارضي سيأتيك الخبر السيء أينما و بأي حال كنت، التلفزيون، الراديو، النقّال و الآن أضيف هم جديد الفيس بوك و التويتر، و ببلشولك بعثت له طلب يضيفني و لغاه و كأنه ساب أبوه، و على التويتر لحقته و ما لحقني و هاي شطبته كأنه بلعب زقيطة أون لاين.
      لحظة في موضوع ما فاتني لأنّه هو سبب كل العصبيّة إلّي أنا فيها، موضوع الأذاذرة "الأذاذرة هم جموع الإخوة المؤيّدين، و الإصلاحييّن، و الّي مش مع أي أحد، و الّي مش مع الّي مش مع أي أحد، و الّي مع الأسف، فكل منهم ينتسب إلى يوم من آذار" سؤالي إذا انتهى آذار رح يصير بنيسان نفس الشيء؟ أوّل ما بدأت القصص كنت مع الإصلاح بمنهجيّة واضحة سلميّة منطقيّة صريحة ما بباطنها ظاهر و لا تخفي أي أجندات أو رزنامات أو حتى البومات خفيّة، شوَي شوَي بدأت اعرف أنه هناك مصالح و تجييرات خفيّة، و الاعتصام صار على دوّار الداخليّة و الكالوتي و مسجد الجامعة، بصراحة ما فهمت شيء، عاملين فروع يعني؟ و الا مسكرين النقّالات أو ما بتردوا على اتصالات بعض؟ رجعنا أنه النقّال ما لازم ينغلق، لكن لمّا صار ما صار من هجوم على الدوّار، و أنا من الناس الذي يفكر دائما بالمؤامرة تعاطفت مع الشباب الدوّارجية، رغم أنّهم على ما كانوا عليه من أسباب أثارت شكوكي، إلا أنّني تعاطفت معهم علما أنني حين مشاهدة أي مباراة مثلا أميل بالنّهاية إلى الفريق الأضعف و الأقل حظّا، و بعد هدوء غبار المعارك و الغزوات و الغارات بدأت أقرأ و أسمع و أشاهد أشياء زادت من حيرتي، مشاهد مصورة لأهداف خفيّة أبرَزَها ضغط المعركة، و مشاهدة جموع من حرروا القدس يحتفلون بنصرهم المبين، و مشاهد من يشتم و مشاهد لمن يريد أن يَخلَع و يُغيّر و يقلِب، و آخر كلّما حدثته يصرخ إلّي مش عاجبته البلد يتركها، يا حبيبي لو السفارات تهوّن موضوع الفيز رح يكون في كل مدينة بالعالم اردن تاون بجانب كل شاينا تاون، لم اعد حائرا بل أصبحت تائه كمن لاث لبه مس من جان، و بعد كل التّيه الذي أنا به تخرج مجموعة جديدة ليست مع أي من الجهتين على افتراض أن هناك جهتين تختلفان بالهدف، و الذي استغربه أن كل الجهات تنادي بالإصلاح و رفش الفاسدين و لعن أساس المفسدين، و الا كله حكي جرايد؟ و ما خفي أعظم؟ طبعا في ناس كثر يذكّرونني بتكسي ركبتها مرة، كان أمام السّائق لعبة مرتبطة بجسمها بزمبرك، فكانت كلّما اهتزّت المركبة بدأ رأس اللّعبة بالاهتزاز، طبعا و أخذا بعين الاعتبار عدد المطبّات المهول فيمكنكم تخيّل حجم الاهتزازات الرأسيّة للّعبة، هؤلاء الناس يذكّرونني بهذه اللّعبة يهزّون رؤوسهم كأنّهم فاهمين كل شيء و أكثر إلا أن اللّعبة تلك فاهمة للمواضيع أكثر منهم، و في كل جلسة حديث هناك لاعب دور الفهمان المقدّر للظروف، هذا النوع دائما يتّهمني بأنّني لا أتحدث إلا بالمساوئ، طبعا لأنني أفترض أن من الطبيعي أن تكون الأحوال و الأمور جيدة و حسنة، و العادة أن لا نتحدث عن ما هو طبيعي، و أقول حينما تسير بمركبتك ضمن السّرعة القانونية هل يخرج عليك الشرطي ليوقفك ليهنئك على التزامك؟ طبعا لا و هو الطبيعي، و أقول لكم إخواني كما قال مالك بن زيد مناة لأخيه سعد "ما هكذا تورّد الإبل".
      على أيّ حال أنا زي كثير من الناس، تعبان و مرهق و معصّب و منرفز و بهاوش ذبّان وجهي و قلبي من الحامض لاوي و مش ناقصه وجع راس و ذايق الدفلا، الدفلا نبتة شجرية تكثر عند مجاري الماء، جميلة زهرها وردي أو زهري أو بمبي، اختر ما تشاء بما أننا بزمن تعدّد الخيارات، و طَلع زهر الدفلا سام و بموسمه يلوّث الماء و يسممها، لذلك يا بتفهمونا النّوايا بصدق و الّي صاير و إلا زي الدفلا بنسمم كل الميّه، هذا على افتراض أنكم انتم الاذاذرة ما زلتم فاهمين و مسيطرين على المواضيع، و إذا مش فاهمين مثلنا ففاقد الشيء لا يعطيه، و على سيرة فاقد الشيء لا يعطيه، طلب مني مقدّر ضريبة مرة أن أثبت له أن أحد المستأجرين لم يدفع الإيجار، عفوا كنت أحاول تهدئة نفسي فقفز لذاكرتي مقدّر الضريبة، آسف لا تحتوي ذاكرتي ألطف من ذاك.
      أطلت عليكم اكرر اعتذاري الذي بدأت به و أرجو أن يسامحني كل من فهمني و أغضبته أو لم يفهمني و ملّلته في زمن الملل البهيم، عذرا بهيم هنا نسبة لشدّة السواد و ليس الحيوان .... و دمتم.


فارس غرايبة

Sunday, 27 March 2011

غد وطني يخيفني


      بالأمس لم أنم، ليس لمرض الحمد لله و لا لسقم، لكن بالأمس كما قلت في الثالث عشر من كانون الثاني من هذا العام وطني يؤلمني، و بالأمس أرّقني.
      نعم لفت نظري كل ما حدث و يحدث منذ مدّة في بلدي، نعم آلمني ما حدث و يحدث، لكن أشد ما لفت نظري و آلمني انعكس أرقا و خوفا، ليس خوف على نفسي بل خوف على الغد، غد بلدي و غد ولدك و ولدي، و هو ذاك الكم من الحقد الدّفين، آسف أن أرى ذاك الكم من الحقد و البُغض الذي عند أول لن أقول امتحان لأنه لم يكن بل هو أقل بكثير من امتحان، انه تحرك بسيط و ضع كل أجزاء مجتمعنا أمام هزة صغيرة ضعيفة، فتمخّض عنها بروز لهذا الكم المهول من الأحقاد و مظاهر الفرقة و التشتّت.
      هناك خلل، ليس الموضوع مرتبط بجزئية أو فئة صغيرة بسيطة لا، أرجوكم أن لا نكذب على أنفسنا، كمن يشعر بالصّداع و يرفض مراجعة الطبيب ليموت بعد فترة قصيرة بالسّرطان، إنها مشكلة و كبيرة، و كأن هناك من يرعاها ينمّيها و يجتهد بإذكائها، لست مختص اجتماعي لكن هناك خلل اجتماعي تربوي حقدوي، رأيت بالأيّام القليلة الماضية كل أنواع و تصانيف التمييز بشتى أشكالها و درجاتها، ناهيك عن الأمراض النفسية التي طفت على السّطح عند غياب و لو بسيط جزئي للمهدءات و المسكنات و الضوابط، رأيت رُهاب مزمن مستشري من كل شيء.
      لم اعد اقتنع أن ما يعثّر نماء وطني الفساد و المفسدين فحسب، لا بل بت على شبه قناعة أن ملح العنصرية، الأحقاد، البغض، التمييز و الكراهيّة هو ما يحرق ارض وطني فباتت أرضا عقيمة لا تنتج إلا الحسد و الرماد.
      نعم كان وطني يؤلمني لكنّه الآن يؤلمني يؤرّقني و للأسف غده يخيفني.

فارس غرايبة


Saturday, 26 March 2011

يا من اتخذتم من الزيتونة وطنا


      مباركة من الباري، لست شرقيّة و لا غربيّة، فروعي تظلّ كل من استفيَأ تحتي، أُعطيه من ثمري يعصره زيتا يكاد يضيء، ما أسقطّت خريفا أوراقي لأُبـقي الظل لكل مَن تحتي، جذوري ممتدّة راسخة شقّت الصخر و تشبّثت، لا و لن يقتلعها أحد.
      لكن يا ولدي لا تكسّر أي من أغصاني كي تضرب بها من أبنائي أحد، و إن تطاول أحدكم يخال هامته تطاول فروعي، أغصان فروعي لرأسه ستقرع. كلكم أبنائي تحت ظلّي، سأموت إن أخذتم أغصاني عصيا لحرب الغباء، لن أموت لتكسّري بل كمدا بكاءا على حالكم و حالي دون كل زيتونات الحقل.

فارس غرايبة

Monday, 21 March 2011

أمك ثم أمك


      ما من كلام يفي حق الأم وصفا، هنا يعجز اللسان نطقا، و تخشع الأحرف بالكلمات إجلالا، لا أذكر من طفولتي شيئا، لأن للذكريات بالآلام ارتباط، فلا آلام كانت لأن ملاكا كان دائما بي يحيط، يحارب لأجلي و يلتفت إليّ مبتسما، فما شعرت بذاك إلّا بعد أن رزقني ربي أولادا، فعلمت أن لو سارت على زفرات روحي أمي ما أوفيتها حقا.
      أرجوك أن تسمحي لي أن أنحني سموا و أقبل يديك، لا تحرميني برضاك من ربي قربا.
فارس غرايبة  

Wednesday, 16 March 2011

كلام الدمع


      ارتعشت على الوجه قطرة، حائرة هي ترتجف بين ثنايا ذاك الوجه المليء بتجاعيد الأيام، دمعة؟ تبعت صرخة؟ لا لم يبق بين الجّفون رمق، حتى الأنفاس جفّت، و الكلمات من الحناجر ملّت، و التنهيدات من الصدر نفِذَت، و العيون بالسهر أرقت، جفل الوجه من مداعبة القطرة لبعض شُعَيرات نَمَت بعد نسيان، فانسلّت قشعريرة لباقي الجسد الهزيل الواهن، جسد تَعِب لا يريحه مجلس، و الفراش يلفّه ألم اللّيل الطويل، ما عاد حديث يلهيه، و لا كتاب يسلّيه، حتى الأفكار ما عادت تجدي، يحدّث مَن حوله وكأنه يتلفّظ بطلاسم شيطانيّة و ما من مصغ، وحيد بدوّامات الخواطر تائه، يغوص بين لفائف الأفكار، يختنق يغرق، أأحد هناك؟ يصرخ، ما من مُجيب، لا شك أنّه هنا غريب، لأن مِن الإشارة يفهم اللّبيب، و يلوّح بيديه مستنجدا مستعطفا، ما من فاهم لإيماءاتك العجيبة، أترقُص ما بك تتحرّك بشكل غريب؟ انتفض و بعزم و بأس من الاختناق خرج، و بصوت أجش من حنجرة جرّحتها الكلمات بدموع نطق، و بنظرات مضرّجة بالآلام عبّر، فترَقرَق دمع على وجنتيه انهمر صارخا ما بكم أيّه البشر أصبحتم كالحجر؟ 

فارس غرايبة

Tuesday, 15 March 2011

ميليشيات عمّان.... إلى متى؟


      كم أزعجني هذا الموضوع، أسميهم ميليشيا للتشابه الكبير بينهم و بين الميليشيات عموما، أنهم قوات السيخ أو الأنتين، يتمركزون غالبا عند مداخل الفنادق ليس أي فندق بل الفنادق خماسية النجوم، و التي مسمياتها متأمركة، اليوم مررت عند فندق الفصول الأربعة، و أصررت على عدم فتح صندوق المركبة، فألح عنصر الميليشيا انه ممنوع، سألته بسلطة أي قانون، فأجاب أن الكاميرات تصور كل شيء، فأعلمته بمعرفتي القانونية المتواضعة بأنه ليس ضابط عدلية و أوضحت المعنى ببساطة انه ليس من الشرطة فلا صلاحية له لتفتيش أي شيء، فرد بأن الكاميرات تصور كل شيء، سألته ماذا لو وجدت شيء و اتهمتك انك من وضع هذا الشيء في الصندوق؟ فأجاب أن كل شيء مصور بالكاميرا، لوهلة اعتقدت انه آلي مبرمج أو أنه من طائفة جديدة تقدس الكاميرات، و شعرت بسخف شديد لنقاشي معه، فاعتذرت و لم أمُر من ذاك الشارع المغلق بقواطع إسمنتية و خوازيق حديدية كأن الشارع ذاك ملك للفندق و لم يقتطع من ارض أناس للمنفعة العامة و دفع ثمن ذاك الاستملاك من الضريبة التي تضرب رؤوسنا كل يوم.
      لسخافة الأمر أن ذاك الفندق يمتد من الجهة الأخرى على شارع رئيسي أقرب من موقع تمركز الميليشيا إن افترضنا أن الغاية درء الأخطار، أو أن أي فندق آخر من أمثال فندق أبو ربحي افتراضا أن هناك فندق أبو ربحي من فنادق النجوم الأربع لا يعتبر بالأردن و نزلائه إذا ما استهدفوا فهم ليسوا من الدرجة الأولى فلا نبالي، لا أدعو لوضع ميليشيا عند كل فندق أو تحويط الحالي بالميليشيات لا دخيلكم نحب ان نصل الى وجهاتنا بعمان خلال نفس اليوم، قصدي أن هذه المظاهر التشبيحية لا تخدم أي شيء لا بل تطبع صورة لدى أي مواطن أو زائر مشوهة لا تمت للواقع بصلة، مثلها مثل مظاهر تشبيحية كثيرة منتشرة بلا معنى أو تفسير.
      عذرا على العنوان إلا أنني لم أجد أفضل و أهذب من هذا الوصف فكان العنوان.

فارس غرايبة

Monday, 14 March 2011

استغراب مخلل


      نسعى دائما إلى إستفقاد الذاكرة، إستفقاد لأننا لا نفقدها فعليا، بل ننزع إلى تخليلها في معلبات نتناولها مرحليا حسب الطلب أو الجو العام أو المحيط أو حتى الجلسة، فالآن نتناول معلبات مخلل الفساد، لا ندري بعد قليل ممكن أن نتناول معلبات مخلل كرة القدم، أو معلبات مخلل المطبّات بالشوارع أو معلبات مخلل أيلول المحلي لا الأمريكي.
      الاستغراب نابع من أن هذا كله ليس أول مرة، كل شيء ليس أول مرة، ففي الزمن ليس البعيد نستذكر أسماء في ذاكرة المخلل، و كأن حياتنا كما صبغها تلفزيوننا، مكررة و معادة، و من أسماء ذاكرة المخلل، رهيجة ..... لا أريد أن أوضح، و بعد الاستغراب أظن أن مخلل الاعتصامات كان له الدور بتحديد أسماء بعض المستشارين، و قضية البورصات فاذكر شيء يقاربها فيقفز لذهني اسم رزق، أما الشركات الاستثمارية و استقطاب المستثمرين و الهيئات الاعمارية فحدث ولا حرج، فمن إعمار العاصمة التي زرعت حدائق إسمنتية استثمارية استُملكت للمنفعة العامة إلا أنها أُجّرت للمنفعة الأمانيّة، مرورا بحديقة عمرة و وصولا لا انتهاء بحديقة عبدون، فهي تذكرني بالمسلسلات اللامنتهية كـ "داينستي أو دالاس" فكم مر على أردننا (جى آر) و للفكاهة ف (جى آر) بالاسبانية يلفظ (إخ إره) و ما أكثر ال (أخ إره) في بلدي، ذكريات و ذكريات ليس ما يقوله إعلان حليب نيدو عن ذكريات أيام سعيدة بل ذكريات كبروا معها الصغار.
      هل هناك هدف من إبقاء الحال على ما هو عليه؟ أم الهدف الحفاظ على المخلل؟

فارس غرايبة

Sunday, 13 March 2011

سفن تحترق


      لماذا للسفن أنت حارق، فما أنت لأي شاطئ طارق، يا ابن زياد ألن تزور البلاد؟ عبر الزمان يُكتب التاريخ للسلطان، فإذا ما باد صار عبرة للعباد، كيف سنغادر في زمن الفجّار؟ فطارق أجّج بالسفن النار، و رمادها خطفه الريح مع موج البحار، وصفوا الجيش الجرّار فتخيلت سرب نمل يدب لالتقاط بعض حبّات قمح رُويت بعرق من بالريح ذراها ليستخلص من تبن الزمان حبات سمان، و بالمطحنة سمع جعجعة و سلبه الطحّان، فما رأى طحنا و لبيدره عاد، جلب لوحا مزركش بحجارة بركان، لا ليكتب بل ليقف عليه، و يحثّ دابته و بعزيمة الصابر ما كان الطحّان له قاهر، درس بقايا حبّات نازع عليها الطير، و بيديه المشققتين بعبَر الزمان، لملم ما بالبيدر بعد الدرس كان، حملها كأنها كنز من لؤلؤ و مرجان، و بالبيت على حجر الرحى القديمة طحن حبيبات قليلة، فكان أي شيء خير من لا شيء الطحّان، طحن ما كان و أبقى حفنة، و أولاده يحثّونه لطحن الحفنة، فنظر إليهم و قال و الأرض بعد الحرث من أين لها البذار، اعلموا أن بلا زرع لا تنزل الأمطار، أتظنون أنها تنزل لتسقي حدائق و جنائن الفجّار؟ أترون ذاك الجبل الشامخ البعيد، وحيد بالسهل كالغريب؟ انه بركان هو صامت هادئ الآن، لكنه ينظر إلى الطحّان، فان تمادى و بات يسلب دون ردع أو حسبان، سينفث حمما تطال أيّا كان.

فارس غرايبة

Thursday, 10 March 2011

ارض الحقد و النفاق


      بداية أستسمح العم الكبير الشيخ المعلم عبد الكريم غرايبة إذ استوحيت العنوان من كتابه "الأردن أرض الحشد و الرباط".
      منذ مدة و أنا أمانع نفسي الكتابة بهذا الموضوع الشائك، و لملاحظتي بروزه الملفت مؤخرا  بت في حيرة، هل هي مواضيع تُؤجّج و تُستغل أحيان و تخزَّن و تفرزن في مبردات السياسة أحيانا أخرى؟ إذ أن التوقيتات ملفته للنظر و المتابع للأمور يفهم قصدي.
      يابا يا فريد ترى أبوه لعطوان بك كان أحسن واحد بوادي الدفلى، و كان زلمة الله يرحمه، و الله يا عطوان بك جيتك مشان ابني فريد بلكي دبرته بأي شغلة عندك.
      و بعد تململ وعد عطوان بك أبا فريد بالخير للخلاص منه و سار على رأي المثل الذي علمنا الكذب "لاقيني و لا تعشيني".
      خرج فريد و أبوه و بالسيارة.
      ها يابا بالك بسويها عطوان بك؟
      و الله يا فريد شكله هامل طالع للي خلفه، لا بهش و لا بنش.
      طيب كيف يابا ما أنت قلت أبوه مليح؟
      أبوه؟ كان هامل الله يرحمه، كان عنده ملحمة ما يبيع إلا لحم فطايس، و اللا لعاد من وين قري عطوان و صار بك؟
      طيب يابا شو رأيك نروح عند عمي خلف، بعرف سايق الباشا، تراه السايق بمون ع الباشا.
      سبعك و سبع عمك معك يا فريد، هبيله إنت نسيت يوم ما مرت عمك قالت عن أختك انه شعرها قرعط، إيمتا بدك تصير تفهم، هبيله طالع لخوالك.
      ما إلنا إلا نروح عند خليل بك، بقولوا ناوي يترشح للنيابه بالدورة الجاي.
      دخل فريد و أبوه مكتب خليل بك.
      يابا يا فريد ترى أبوه لخليل بك كان أحسن واحد بجبل التنك، و كان زلمة الله يرحمه.
      رد خليل بك: بس أنا أبوي ما مات!!
      يا سيدي الرحمة تجوز على الحي و الميت، الله يرحمنا جميعا، و يا سيدي أنخاك و الا أنخى الذيب؟
      و تمتم خليل بصوت غير مسموع يلعن الذيب و أبو الذيب و الغنم كله ع هالصبح، لا يا بو فريد خسى الذيب قول شو المطلوب؟
      جيتك مشان ابني فريد بلكي دبرته بأي شغله عندك، و ترى إحنا مسجلين معك بالدائرة يا سيدي.
      ها و الله طيب شو دارس فريد؟
      و الله ما درس، وصّل إعدادي و بعدين صابه مسامير لحم باجريه و ما قدر يكمل، بس فريد ذكي و فتح بيعجبك يعني وين ما رميته بيجي واقف.
      يا أبو فريد أنت بتعرف الوظايف هالأيام بدها مؤهلات.
      له يا خليل بك انت قدها و بتدبرها من هون و هون، و إحنا إن شاء الله اعتبرنا "هنا الحديث بصيغة الجمع عن نفسه و أقاربه" عزوتك و إيدك اليمين بالانتخابات.
      اخذ خليل بك معلومات فريد الكاملة من ضمنها رقمي النقالين إللي مع فريد و وعد خيرا.
      بعد أن خرج خليل و أبوه.
      ها يابا و هالمرة بتزبط؟
      تراني مسكته من الإيد إللي بتوجعه، و مشان الانتخابات إلا يسويها، و لولاه ناوي يترشح تراه ما بفوتنا مكتبه، بالزمانات جدك راح لأبو خليل و طلب يحط عنده بيضات لأنه عندهم "قرُقّة" و ما رضي و خرب البيض و ما فقس.
      مساءا اتصل خليل بك مع صديق له بالقطاع الخاص ليجد مكانا لفريد، لبى صديقه علي طلبه و أخذ المعلومات و وعد بالاتصال به، لكن خليل بك قال له لا أنا سأتصل به و غدا صباحا سيكون عندك، مع الشكر، و فورا اتصل خليل بابي فريد.
      مساء الخير، تراني ترجيتلك واحد من الأصدقاء مشان فريد و وعدني يعينه و بكره بدي فريد يكون عنده، و تم تلقين المعلومات لأبي فريد.
      و بادر أبو فريد كالعادة: و هسعيات يا بك بدك اتحددلنا يوم نتغدى سوا، لا تقول لا ترى بزعل منك.
      طبعا هذه فرصة لمشروع المرشح خليل، لا و الله يا أبو فريد الواحد ما فاضي يحك راسه.
      جيرة.
      بالله لا تحلف.
      جيرة الله ما انت مفشلني.
      لا حول ولا قوة إلا بالله، طيب مشانك يا أبو فريد بس و الله.
      علي بعد انقضاء المكالمة، وين بدي احط هالموظف؟ لا حول ولا، يالله بتدبر.
      أحسّت زوجة علي بحيرته فسألته، و اخبرها بالحال، فقالت له كان اعتزرت؟
      أعتذر؟ عند خليل بك قرار العطاء اللي بنيت عليه كل آمالي، بالله يا فريال مشان الله شو بتحكي؟
      طيب مو مشكلة شوف شو بيصير هو الموزف شو بيتوأع؟
      الله أعلم بكره بنشوف.
      بالصباح، دخل فريد الشركة يختزن كل ما لخليل بك و أبوه و الأصوات المسجلة و غير المسجلة من أقاربه و المرشحين من عنفوان، و جلس ينتظر علي، و بعد وقت وصل علي مكتبه، فنظر إلى فريد فكان ذاك الشاب صاحب الأنفة، فظن علي انه بصدد تعيين مهندس أو مدير، فسلم عليه و سأله عن مؤهلاته و الوظيفة التي يتوقعها، وحينما أدرك علي المتطلبات اطمأن و تنفس الصعداء.
      علي صاحب شركة خاصة متزوج حديثا من فريال التي لا تقربه، و ارتبطا بعد قصة حب، و تزوجا بعد اخذ و رد و تجاذب بأوساط العائلتين، فهو من مكان و هي من مكان برأي أهلها انه مش من توبنا، و برأي أهل علي إنّ ابنة عمه استرله و بتظل منا و فينا، وكثيرا ما تكون عبارة منا و فينا يمكن اختصارها بكلمة "أوفر"، إلا أنهما و بعد إصرار تم زواجهما و بحضور طرفي الصراع، و بعد مدة بدأ الأهل بزيارة دار علي و فريال، فأقارب علي كلما تركتهم فريال لتعد ما تقدمه لهم، بدءوا بأسئلة التحري و الاستجواب.
      ها يا علي كيف حالك؟ مبسوط؟ شو بتعشيك زعتر؟ قلّي يا علي مشتهي المنسف؟
      و علي بكل برودة أعصاب يجيب بابتسامة مجاملة. و كذلك أقارب فريال، يوما تلحق بها خالتها إلى المطبخ متحججة بمساعدتها فتبدأ باستجواباتها، فريال يا حبيبتي، بيضربك؟ احكيلي ما تخافي.
      لا يا خالتي من وين بتجيبي هالحكي؟
      طيب انت حرة، بكرة بتزوج عليكي.
      صادف أن جاء صديق لعلي لزيارته بحضور أقارب فريال، فسأله احدهم عن من يكون صديقه فبعد التوضيح، تغيرت الوجوه و كان الامتعاض واضحا على بعض الحضور، فاستغرب علي و لم يعرف السبب، و بعد ذهاب صديقه، طلب من فريال السؤال عن سبب التوتر السائد، فسألت فريال خالتها و صدمت بإجابتها "هدول يا خالتو فلاحين".
      طبعا كان علي و فريال يخبر كل منهم الآخر بالأحداث السريّة و ما يجري وراء الكواليس، فيبقيا يضحكا على ما يدور من أحاديث و تعليقات.
      فريال كل يوم و الآخر و في كل فرصة تعد منسفا لعلي و باحتراف و إتقان، إلا أن عليا و في يوم فاض به الكيل سأل فريال، ألا تعرفي أن تُعدّي أي شيء آخر؟ يا فريال أنا لا أفضل المنسف و إن كان لا بد فأفضله بالدجاج، دهشت فريال فقالت ما قصدي إلا أن أقدم ما اعتقدت انك له محب.
      ضحك علي و قال يا فريال أنا لا أفضل المنسف، و مثلك لا أفهم كلمات كثير من الأغاني، أنا لا أتابع كرة القدم و لا تعنيني نتائجها، و لا أجد في أي من ذلك علاقة بالوطنية و حبي لبلدي، وطنيتي لا تُختزل بمائدة أو كرة وطنيتي ليست ملصق و صورة على زجاج سيارتي، ليست أغنية بمسجل السيارة بأعلى صوت ممكن، ليست مشاجرة بدون عنوان بأي مكان.
      غريبة هذه الدنيا، الغني يكره الفقير، الفقير يحقد على الغني، الموظف ينكل بالمراجع حاسدا و المراجع يغل في قلبه غضبا دفين، ابن هناك يكره كل من هو ليس من هناك، و المرأة تكره المجتمع لأنه يميز الرجل عنها و الرجل يكره المرأة إذا ما تفوقت عليه و يعزي ذلك بخباثة و همز و لمز كونها امرأة، نكره تلك لأنها محجبة و نكره تلك لأنها غير محجبة، الشباب يكره حارس المول، و الطلاب يكرهون الآذن حارس المدرسة حينما يطردهم من الملعب، و شيخ الجامع يكره كل من لا يصلي التراويح برمضان في مسجده و كأن المسجد له و ما عاد لله، و نكره الملتحي و الملتحي يكره الحليق، نكره الحيوانات الأليفة و غير الأليفة، نكره الصيف و نكره الشتاء، الطالب يكره الدكتور بالجامعة و الدكتور يكره الطالب لأنه يقود سيارة ليس بمقدوره حتى ركوبها، نكره الوزراء نكره المستشارين نكره الدول الشقيقة و الصديقة و نكره المسافرين و القادمين، نكره الأجانب و نكره الأمريكان و الألمان، نكره نكره نكره حتى أنفسنا و نبقى نصيح مش طايق حالي.

فارس غرايبة

اعتذر لكل من لقي تشابه بين الاسماء و الواقع كون ذلك بالتأكيد غير مقصود، و ارجو أن لا تكرهوني أيضا.